الأربعاء , 19 ديسمبر 2018
الرئيسية / تدوينات تونسية / الثعبـــــــــــــــان

الثعبـــــــــــــــان

حسن الصغير
في سنوات طفولتي المبكرة كانت أمي تتوجه كل خريف لزيارة أماكن في الجبال والهضاب المجاورة تسمى “الخلاوي” وهي جمع خلوة يعتقد السكان أن أولياء صالحين اعتزلوا الناس وتعبدوا فيها لفترات من حياتهم خلال العهود الغابرة.
وكانت هذه الأماكن عبارة عن رقعة صغيرة من الأرض المنبسطة في قمم الجبال والمرتفعات أحيطت بسور صغير من الحجارة وترك لها مدخل ضيق جدا يدلف منه الناس لأيقاد الشموع ووضع البخور في النار التي يوقدونها للغرض.
وفي عمر السادسة تقريبا لما كنت أستعد لدخول المدرسة قررت أمي ان تصطحبني معها في زيارتها القادمة التي تسبق العودة المدرسية تبركا حتى يفتح الله علي وأخوض غمار العلم بنجاح.
وفي يوم الزيارة استيقظنا فجرا وتوجهنا نحو الغرب في مسالك جبلية وعرة وفي هواء خريفي ثقيل مشبع بالرطوبة وكنت أمشي شبه نائم حتى فاجأنا طلوع الشمس ونحن لم نبلغ بعد قمة الجبل.
وصلنا أخيرا إلى الخلوة الأولى إذ كانت أمي تحرص على زيارة أكثر من خلوة ولا تفرق بينها وربما هي لا تعرف أصلا أسماء الاولياء أصحاب هذه الخلاوي لكنه تقليد أخذته عن والدتها التي أخذته بدورها عن والدتها في مجتمع شبه أمي يختلط فيه الدين بالأسطورة في كثير من الأحيان.
وفجأة وعندما كانت أمي منهمكة في إيقاد النار لوضع البخور وكنت واقفا بامتعاض على مقربة منها سمعت صوتا يشبه احتكاك الأغصان عندما تهزها الريح فنظرت للأسفل وإذا بثعبان أسود طويل وضخم يمر من بين قدمي الصغيرتين ثم دخل في شقوق السور الحجري.
قفزت من هول المفاجأة فالتفتت أمي لترى ذيل الثعبان وهو يمر من بين قدمي فهدأت من روعي وأعلمتني أن هذا الثعبان هو في الواقع الولي صاحب الخلوة لذلك مر من بين قدمي دون أن يؤذيني.
لا أخفيكم أني لم أتقبل القصة بسهولة فرغم صغر سني بدا لي من الصعب أن يتحول الإنسان في لحظة ما إلى ثعبان فما بالك إذا كان وليا صالحا.
وفي المساء وعندما كنت أرعى الغنم مع أختي التي تكبرني بقليل أسررت إليها بأني لم أصدق القصة وبدت لي غريبة لكنها أكدت لي أن الأولياء الصالحين يستطيعون القيام بكرامات وأفعال لا يقدر عليها سائر البشر ولا أخفيكم أني كنت على يقين أن هذه الكرامات مهما تنوعت لا يمكن أن تجعل الانسان يتحول إلى ثعبان لكني لا أملك الدليل على تفنيد هذه الفكرة.
وعلى مدى الأيام التالية بدأت تساورني الشكوك كثيرا فبت أتساءل وأنا أسوق القطيع أمامي إلى الجبل ماذا لو كانت الأغنام التي أرعاها يوميا هي في الواقع مجموعة من الأولياء الصالحين تحولت إلى أغنام وعنز؟ فمن له القدرة على التحول إلى ثعبان هل يصعب عليه التحول إلى تيس أو كبش؟
وبلغ بي الشك مداه حتى صرت أراقب عنزة أو نعجة بعينها طوال اليوم لعلي أرى في سلوكها ما قد يشي بأنها كانت بشرا قبل التحول إلى نعجة لسبب ما لكني كنت في كل مرة أرى مجرد عنزة أو نعجة منهمكة في الرعي وقد ترفع رأسها وتثغو أحيانا وعندما يمتلئ بطنها وتشتد الهجيرة تتوجه إلى مكان ظليل لتجتر ما أكلته على مدى ساعات وهي كلها عادات حيوانية طبيعية لا علاقة لها بالأنسان المتحول.
وبعد أيام فتحت المدرسة أبوابها والتحقت بالصف وبدأت حياة جديدة أنستني قصة الثعبان المتحول الذي رفض مهاجمتي ولدغي واكتفى بالمرور بين قدمي.
سقى الله تلك الأيام فقد زحف العمران اليوم على تلك الخلاوي ولم يعد لها أثر والأكيد أن الثعابين تركت ذلك المكان إلى غير رجعة بسبب انقراض الطيور والحشرات التي كانت تقتات عليها!!!

شاهد أيضاً

نقابة صحفيي ساكسونيا

حسن الصغير نقابي كبير ومربي محترم جدا اعتدى بالعنف على صحفية من قناة الزيتونة وهي ...

الطفل الذي أمسك قوس قزح

حسن الصغير خلال تلك السنوات البعيدة كنت متهورا في أفكاري إلى حد اللامعقول، فطالما طرحت ...