الإثنين , 23 نوفمبر 2020

جحر الضب رائعة ولد العلوي

نور الدين العويديدي

لا نبي في قومه.. ولد العلوي في رائعته جحر الضب

لم أعتد أن اقرأ روايات في الشهر الفضيل.. لكني في اليوم الأول من رمضان وقفت أمام مكتبتي أبحث عن شيء أقرأه.. وجدت يدي تذهب لرواية “جحر الضب” للصديق نور الدين العلوي.. فوجئت بوجودها في مكتبتي.. فأنا منذ سنوات ألوم نفسي كيف لم أقرأ للصديق نور الدين أي رواية من رواياته المنشورة.

حاولت جاهدا أن استرجع الطريق الذي وصلت به الرواية الساحرة لمكتبتي.. تذكرت ولم أفلح في التذكر.. لكني وجدت أنها هدية من ولد العلوي للصديق منجي الفرحاني.. وابن الفرحاني أهداها لي حين قلت له يوما ألوم نفسي إنني لم أقرأ لنور الدين العلوي أي شيء من رواياته.

كنت واقفا قرب المكتبة وبدأت أتصفح الرواية مقدمة للمرور لغيرها.. كنت أقول في نفسي لا تقرأ روايات ولد العلوي في رمضان.. يمكن أن أقرأها في أي وقت آخر.. ولكن ليس في رمضان.. لكن الرواية أمسكت بي وغلبتني على نفسي فغرقت فيها في يوم جمعة في أول يوم في رمضان.

قرأت ثلث الرواية تقريبا في اليوم الأول.. وكانت رغم كل ما فيها بركة علي في اليوم الأول من رمضان.. فقد أثارت في أسئلة وأحزانا أعانتني على التراويح يومي الأول من رمضان.. فقد أحزنتني الرواية وأثارت في حيرة وأوجاعا.. ومن عادتي أن اتخذ الحزن طريقا إلى الخشوع في الصلاة.

في يومي الثاني والثالث من رمضان غرقت فيها أكثر حتى أتيت عن آخرها.. رأيت فيها، وقد كتبت قبل الثورة، غضب ولد العلوي من الوضع السياسي والاقتصادي ومن النفاق الاجتماعي السائد.. ووجدتها تختزن احتقارا رهيبا لدولة البغاء الحداثي ولنخبة براقة في المظهر حقيرة تافهة في الجوهر.. تتقاتل على التفاهات وتعيش عليها.

وفي الرواية تظهر عبقرية نور الدين العلوي وفهمه العميق للمجتمع التونسي واحتقاره الرهيب لنخبته السياسية والاقتصادية والعلمية.. فهم جميعا هواء وخواء وفراغ وتفاهة.. يتحاسدون ويتكايدون بينهم، ويخضعون لسيد الدبير التافه الذي أذل رقاب الجميع مستعملا سلاح الخوف والادعاء بأن له علاقات بالمسؤولين فذل له الجميع.. مخصيون يسودهم مخصي.. يحكمهم بالخوف والرعب فيخنعون له.

تدور القصة في حي راق من أحياء النخبة الإدارية والمالية والعلمية.. بطلها شاب من الشمال الغربي حاصل على الإجازة في الآداب العربية ترك أما وحبيبة في انتظار عودته ومعه زميلة زنجية من قابس لقيطة من ام نزى عليها في شبابها شاب كان جده يملك جدها فانجبتها امها ولم يعترف بها أبوها، الذي يحج البيت ثلاث مرات يستغفر لذنوبه ويرفض أن يعترف بذنبه أمام الناس.. فنشات ناقمة..

كانت تظن العلم سلاحها للوظيفة لكن حمادي الشمالي الأبيض وسعاد الجنوبية الزنجي نجحا في الكتابي في الكاباس واخفقا مرارا في الشفاهي فلم يجدا رغم شهادتهما العلمية إلا أعمالا حقيرة.. هي تعيش من جسدها ومن خدمة البيوت وهو يعيش بغلا يخدم نساء النخبة ويركبهن.

ويشتعل الغضب في صدر البطل حمادي والبطلة سعاد وتنتهي القصة بلحم سيد الدبير مشويا هو وعائلته في حريق لحمادي يد خفية فيه.. لكنه كان يتمنى ان يشمل الحريق الجميع وخاصة الفيلسوف المأبون والمقاول وسائر نخبة الفكر والمال والادارة..

يقول العلوي على لسان أحد أبطاله طاهر الشرطي .. “البلاد ما هردوها كان المثقفين.. أفكارهم ياسر وفعلهم خاسر.. ذيولهم باركة وأفواههم حاركة.. الواحد منهم تلقاه يفلي في الكتب، تقول يعاود يصنع العالم مرة أخرى. وتسمعه ينقد الحالة تقول الطبيب الصقلي.. يقترح وينظر ويعارض كل اقتراحات الآخرين ويحب يهدم الدولة على رؤوسنا.. ونحن نتبعوا ونكتبوا التقرير وراء التقرير، وفجأة تلقاه وزير ينفخ.. ينظر للدنيا من فوق ويعمل الترهات السبعة اللي كان ينقدها”.

وإني لأعجب كيف يحتفى في تونس بروايات تافهة وتقام لها الندوات والجوائز ويهمل عمل عظيم مثل هذا.. لكن نور الدين العلوي الذي فضح النخبة وعراها وكشف تفاهتها وتهافتها ونفاقها لا يمكن أن تحتفي به تلك النخبة الهزيلة التي تعجز ان تنتج مثل إنتاج نور الدين العلوي.. فلا نبي حقا في قومه.. لكن كتابات نور الدين تصلح وثيقة تاريخية ستنال حظها ولو بعد عقود او قرون..

تقبل الله صيامكم وقيامكم جميعا.

شاهد أيضاً

مات صائب عريقات بعد مسار تفاوضي عبثي

نور الدين العويديدي  في مستشفى إسرائيلي مات بالكورونا كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات.. مات صائب …

حتى لا يقع الرئيس في الخديعة الرابعة

نور الدين العويديدي  سأحدثكم اليوم عني وعن السيد الرئيس المفدى وعن الشبه الكبير بيني وبينه، …

اترك رد