السبت , 28 نوفمبر 2020

الفخفاخ رئيس الحكومة.. وعبو الوزير الأول

نور الدين الختروشي

أثار إلغــاء وزارة الوظيفة العمومية وإلحاقها برئاسة الحكومة ردود أفعال متباينة بل ومتناقضة سياسيا ففي حني رأى فيها البعض تقليما لأظافر رئيس حزب التيار الديمقراطي محمد عبو رأى آخــرون أن وزير الدولة المدلل في حكومة الرئيس سيصبح أكبر من الفخفاخ نفســه باعتبار أهمية الصلاحيات التي ستتمركز عنــده وفي مقدمتها الإشراف المباشر على الهيئات الرقابية.

على مسافة معقولة من التجاذبات السياسية التي صاحبت ردود أفعال الرأي العام سنحاول فهم المستجد في سياقه السياسي والدستوري.

معلوم أن قصة إحداث منصب وزير دولة بدأت ف كواليس تشكيل حكومة الرئيــس الذي اختار إلياس الفخفاخ بعد سقوط حكومة الجملي. ونظرا إلى أن الفخفاخ دون سند حزبي برلماني، سارع أصدقاء السيّد عبّو والقريبي من حزبه كجوهر بن مبارك وطارق الكحلاوي للالتفاف حول الفخفاخ ّ والالتفاف عليه وشكلوا بمعية شخصيّات سياسيةّ تقف على الحد بين مدرسة التكتل ومدرسة المؤتمر من أجل الجمهورية لهندسة التركيب الحكومي، وقد ساند التيّار منذ اللحظة الأولى اختيار الرئيس وسابق حركة الشــعب القومية في الإمضاء على صك أبيض للرئيس والفخفاخ.

في سياق المفاوضات المرهقة لتشكيل الحكومة ّ وقع تمرير خطة وزير الدولة لدى رئيس الحكومة المكلف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومقاومة الفساد، وقد انتبه يومها النابهون إلى حيوية
استحداث هذا الهيكل الحكومي ونبّهوا إلى أن إسناده لعبّو ودون مرسوم ّ يحدد الصلاحيات قد يخل بالتوازن والانسجام الحكومي، فقد كان واضحا أن هناك قليلا أو كثيرا من الحسابات السياسية بل والمحاباة في إسناد هذه المهمة للسيد عبّو مع صفة وزير دولة.

دعونا نؤكد بداية أن خطــة وزيــر دولة غير دستورية بمعنى غير منصوص عليها في الدستور ولم تدخل تقاليد الجمهورية الثانية بل وحتى في الجمهورية الأولى لم تسند هذه
الخطة إلا إلى السيد عبد الله القلال عندما توّل وزارة الداخلية في ســنوات الهجمة القمعية والبوليسية الشاملة زمن المخلوع.
وفي هذا السياق كتب الأستاذ أكرم الزريبي: “أما من الناحية القانونية فإن إسناد صفة “وزير دولة” لأحد أعضــاء الحكومة يطرح في حدّ ذاته إشكالا دستوريا عويصا، تم التغاضي عنه في
خضم التجاذبات والضغوطات التي رافقت تشكيل الحكومة للمرة الثانية بعد فشــل التكليف الأول. فالدستور التونسي لا يتعرض إلى هذه الخطة أبدا. والفصل 89 منه ينص صراحة على أن الحكومة تتكون مــن وزراء وكتّاب دولــة يختارهم رئيس الحكومة، وهو ما يعنــي أن منصب “وزير دولة” غير مشار إليه في الدسـتور بما يجعله منصبا غير دستوري.

ولو عدنا إلى القانون المقارن لوجدنا أن اعتماد مصطلح “وزير دولة” يحتمل فرضيتين اثنتين: إما أنّه وزير دون حقيبة، في نطاق حكومات الائتلاف الوطني، لضمان تمثيل أكبر قدر من الأحزاب أو الطوائف وتحقيق التوازن بينها، وإما أنه وزيــر أعلى درجة من بقية الوزراء، وهذا ما انتهجته أحيانا بعض الأنظمة الرئاسيّة، والتي تكون فيها الحكومة، وفي مقدمتها الوزير الأول، تستمد مشروعيتها كليّا من رئيس الدولة، ومع ذلك يتم تخصيص قطاع حيوي معني بربطه مباشرة برئيس الدولة، مثل قطاع الأمن أو الدفاع أو العدل، وتسند للوزير المكلف بهذا القطاع صفة وزير دولة، ليكون أعلى درجة بروتوكوليّا من رتبة وزير.”

محمد عبو بتربّعه على رأس هذا الهيكل المستحدث باسم الوظيفة العمومية والحوكمة ومقاومة الفساد يصبح قانونيا وعمليّا أكبر من رئيس الحكومة إذا استحضرنا أن المهمة تفترض إشراف وزير الدولة عىل هيئات الرقابة.

هنا مربط الفرس وعقدة العقد في التجاذبات المعلنة والخفية حول الصلاحيات التي سيسندها مرسوم تشكيل الهيكل المسنود للسيد محمد عبّو.

ويجدر أن نذكر هنا أن عبّو قد طلب الإشراف على هيئات الرقابة في حكومة الجبالي زمن الترويكا وقد رفض الجبالي يومها بحسم وحزم طلب عبّو ويقال أن ذلك كان السبب الرئيسي وراء استقالته.

فالإشراف عىل هيئات الرقابة العليا يعني بالنتيجة دستورا وقانونا وواقعا أن تكون كل السياسات والبرامج الحكومية على مسطرة السيد عبو لتنسجم مع رؤيته للحوكمة الرشيدة ويعني أيضا أنّ تكون كل الهياكل الحكومية وفي مقدمتها الوزارات تحت السلطة الرقابية المباشرة لوزير الدولة محمد عبّو.

فهياكل الرقابة برئاسة الحكومة وعددها أربعة: هيكل رقابة بعدية يعمل في إطــار أذون بمهمات تصدر عــن رئيس الحكومة (الهيئة العامة لرقابة المصالح العمومية) وهياكل رقابة مختصة كل
حسب مجال تدخله المحدد بالنص (الهيئة العامة لرقابة المصاريف العمومية، هيئة مراقبي الدولة، الهيئة العليا للطلب العمومي).

وتكمن أهمية هذه الهياكل في مجالات تدخلها من جهة (النفقات العمومية، الصفقات العمومية، تسيير المؤسسات والمنشآت العمومية) أي بعبارة أخرى تعتبر هذه الهياكل عين رئاسة الحكومة على جميع أوجه التصرف في المال العمومي بالإضافة إلى دورها الفعال يف مكافحة الفساد وتكوين وتأطير الأعوان العموميين.

ترفع هــذه الهياكل تقاريرها إلى السيد رئيس الحكومة التي تتضمن مقترحاتها العملية والتطبيقية بمناسبة القيام بواجباتها وتعتبر هذه التقارير خلاصة خيرة العاملين بها من خلال التعاطي
الفعلي مع الملفات.

جــل المراقبين في هــذه الهياكل مستشاري مصالــح عمومية (باكالوريا + 6 ســنوات دراسة أكاديمية + 30 شهر دراسة بالمدرسة الوطنية للإدارة).
هــذه الهياكل هي قلب الجهاز الحكومي وتفريط السيد إلياس الفخفاخ فيها لوزير دولته يعني ببساطة تسليم الحكم السيد عبو.

وتجدر الملاحظة هنا أن تلك الهياكل تعاني مثلها مثل أغلب هياكل الدولة من عدة أمراض وأعطاب ولكن عملية إصلاحها في تقديري لا تستوجب نزعها من رئاسة الحكومة بل سيكون من الأجدر تجميع هذه الهياكل في إطار مجمع أو قطب أو مجلس رقابي يضم مختلف أصناف المراقبين كل ضمن اختصاصه لإكسابها مزيدا من النجاعة خاصــة فيما يتعلق بتبادل الخبرات والمعلومات في مجالات التدخل المشتركة.

مــا نريد التأكيــد عليه ي هــذا التحليل هو فائض الحسابات السياسية الذي يشتغل عليه الســيد عبو فهو لم يكتفي بصفة السوبر ستار البروتوكولية في الفريق الحكومي الماثل، بل تعدى ذلك إلى جوع سلطوي بارز، أهدافه تتوزع بين إرادة الهيمنة على القرار الرسمي وتصفية الحساب مع خصمه اللدود حركة النهضة التي -وللمفارقة- كثيرا ما اتهمها بالسعي للسيطرة على أجهزة الدولة.

مرسوم تشكيل هذه الخطة لم نطلع عليه بعد وستكون مسألة الهيئات الرقابية هي رصة المعنى ومدار االختالف وموضوع الصراع بين من يحرص على الإصلاح الهيكلي ضمن الصلاحيات الدستورية القائمة وبين من يسعى إلى التحايل والالتفاف على المواقع السيادية في أجهزة الدولة لغاية أو غايات في نفس يعقوب.

من صفحات العبث التي تكتبها يوميات السياسة قد نقرأ عن قصة الحكومة برأسين.. لننتظر.

جريدة “الرأي العام”

شاهد أيضاً

احذروا جنون الديمقراطية

نور الدين الختروشي  من السهل بل من الكسل الذهني أن تقصف البلاد بتحليل كارثي لأوضاعها …

حركة النهضة : الجيل الثالث بين هاجس تجديد التجربة وممكن فسخها (3)

نور الدين الختروشي  (الجزء الثالث) 2. جيل ما بعد الليبرالية وهاجس الحرية : الجيل الثالث …

اترك رد