تدوينات تونسية

الشّمال المنسي…

صالح التيزاوي

حزِنّا عميقا للفاجعة التي أودت بركّاب حافلة الموت، خرجوا في رحلة ترفيهيّة، غير أنّهم عادوا جثامبن إلى أهاليهم، وما زاد في حزننا أكثر، نقل المصابين إلى تونس العاصمة، لعدم توفّر مستشفى جامعي بتلك الرّبوع يؤمّن الرّعاية الصّحّيّة للمواطنين، ويريحهم من عناء الإنتقال للعاصمة في الأيّام العاديّة، ويكون جاهزا في حالات الطّوارئ. أليس أمرا بالغ الظّلم أنّ تلك الجهات التي تمدّ البلاد بطولها وعرضها بأمنها الغذائي من الحبوب وبأمنها المائي، لا تتوفّر على مستشفى جامعي واحد، تتوفّر فيه جميع الإختصاصات ولا توجد بها كلّيّة طبّ واحدة؟

لقد أعاد الحادث الأليم إلى الأذهان جريمة دولة ما بعد الإحتلال التي بنيت على أساس جهوي بحقّ مواطنيها، فهي لا تعترف بحقوق المواطنة وأسقطت من حساباتها قيمة العدل والمساواة بين المواطنين. فحرمت جهات الشّمال والشّمال الغربي من حقّها في التّنمية، وعرّضتها مثل غيرها من جهات الوسط والجنوب إلى التّهميش، فلا مصانع توفّر اليد العاملة والتنمية بما يحفط للنّاس كرامتهم، ولا بنية تحتيّة في الطّرقات وفي المستشفيات، تهيّء الظّروف الملائمة للتّنمية، لأنّ بورقيبة صاحب “المادّة الشّخما” ومزيل “الجرب والقمّل” أراد لتلك الجهات أن تبقى خزّانا، يمدّ العاصمة والمدن الكبرى باليد العاملة، ويمد العائلات البرجوازيّة بعاملات المنازل بأجر زهيد، وكثير منهنّ، كنّ ينقطعن عن الدّراسة في سنّ مبكّرة أو هنّ لم يلتحقن أصلا بمقاعد الدّراسة.

حدث ذلك في الوقت الذي كانت الدّولة ذات البنية الجهويّة تمارس التّضليل الإعلامي وتروّج لأسطورة مجانية وإجباريّة التّعليم. وقد كانت تلك الجريمة بحق المرأة التي لطالما تباهى بورقيبة بأنّه محرّرها، تتمّ تحت أنظار الدّولة وتحت أنظاره. وعلى خطى بورقيبة سار بن على في سياسة التّهميش وتعميق الفوارق الجهويّة لصالح جهات على حساب أخرى، شعاره في ذلك شعار سابقه “لا تجوعوهم ولا تشبعوهم”، حتّى هجر أولاد وبنات الشّمال شمالهم بحثا عن لقمة العيش داخل الوطن وخارجه بعد أن ضاق عليهم مطمور روما، بفعل سياسات التّهميش والتّجويع المتعمّد.

وما يحزن أكثر وأكثر أنّ الحكومات المتعاقبة بعد الثّورة، قد حافظت على نفس منوال التّنمية ولم تبد جدّيّة في تعديله لتحقيق التّنمية وتحسين البنية التّحتيّة في المناطق التي أهملتها “دولة ما بعد الإحتلال” لأكثر من ستّين عاما.

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock