الأربعاء , 26 يونيو 2019
الرئيسية / تدوينات عربية / بريطانيا ليست دولة “علمانية”

بريطانيا ليست دولة “علمانية”

أحمد القاري

أستغرب ممن يعيش في بريطانيا عشرات السنين ولا يعرف أنها ليست دولة “علمانية”. وأنها لم تعرف قط مفهوم “اللائكية” كما حدث في فرنسا.

تجد السياسي والمثقف يقضي في لندن زمنا طويلا ومع ذلك يجد نفسه في وضع دفاعي حي يتحدث عن علاقة الإسلام بالعلمانية، كأنها شيء طبق في كل بلدان الغرب.
التجربة البريطانية منفصلة تماما عن التجربة الفرنسية. وقد وضع البريطانيون سدا معنويا وثقافيا بينهم وبين فرنسا حتى لا يتسرب لهم شيء من مفاهيمها في الحكم والسياسة.
بريطانيا عرفت ثوراتها الخاصة التي انتزع “العموم” بموجبها السلطة الأولى في البلد، لكن دون إزاحة الملكية ودون التخلص من تمثيل “الأسياد” في صناعة القرار من خلال مجلس اللوردات المعين. وهنا حافظت بريطانيا على ديمقراطية تجمع بين سلطة المنتخب وسلطة الملك وسلطة المعين مع رجوح المنتخب في ظل احترام شكلي وبروتوكولي كامل للملك حيث يتم كل شيء باسمه.
وهذا يعتبر مثيرا للضحك في فرنسا. وبالمقابل ينظر البريطانيون للثورة الفرنسية باعتبارها عهد إرهاب ولنابوليون كعسكري مغامر مهزوم انتهى به الحال أسيرا ذليلا بين أيديهم. وينظرون للفرنسية باعتبارها جزءا من التراث البريطاني مكنت القطيعة معه اللغة الإنجليزية من التطور والتحول للغة عالمية.

مبدأ فصل السلطات ليس موجودا في بريطانيا حيث السلطة التشريعية والتنفيذية متداخلة وحيث الملكة هي رئيسة كل السلطات.
الملكة فوق القانون. ووفق الأسطورة الفرنسية لا أحد فوق القانون.
مبادئ القانون المدني النابولويوني لا يعمل بها في إنجلترا. ولا فرق عندهم بين القانون العام والقانون الخاص.
وسائل القياس التي جاءت بها الثورة الفرنسية مثل المتر والكيلو لا استخدام لها في بريطانيا إلا ضمن ما تفرضه قوانين الاتحاد الأوربي وسيتم التخلص منها قريبا.
إنجلترا لها كنيسة رسمية تنفق عليها الدولة. والملكة هي حاكمة الكنيسة. وللكنيسة 26 عضوا يمثلونها في مجلس اللوردات. وهم يشاركون في النقاش والتصويت ويطلق عليهم “الأسياد الروحيون”.
وخلال الحرب العالمية الثانية انتقل البرلمان للعمل داخل كنيسة دير ويستمينستر، مقر كنيسة الدولة. ومساحتها أكبر من مساحة البرلمان نفسه. وبها كرسي العرش. وأسقفها هو من يتوج الملك في حفل التتويج.

مع كل ذلك لاحظت أن محمد العربي زيتوت، في بث مباشر له، يتحدث عن العلمانية كما لو كانت نظاما مطبقا في كل الغرب. وفي يده من الحجج من خلال التجربة البريطانية كنز عظيم لو اهتم بالاطلاع عليه والاستفادة منه.

شاهد أيضاً

أميركا يحكمها المنتخبون ولا تحكمها المؤسسات

أحمد القاري الرئيس المنتخب يأتي معه بفريقه ويعين حوالي 6000 شخص في مختلف مستويات المناصب ...

فرنسة التعليم خيانة ؟

أحمد القاري أساتذة الجامعات في المغرب: حين تدافعون عن تدريس العلوم باللغة الفرنسية وتعللون ذلك ...