الأربعاء ، 22 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / النهضة الجديدة.. أو في فن التجدد على محارق الصدف

النهضة الجديدة.. أو في فن التجدد على محارق الصدف

نور الدين الختروشي

أذكر في بداية الثمانينات ذلك القلق الذي أصابنا في أطر العمل الاسلامي السري عندما تسارع نسق تسييس الحركة بنأثير الذراع الطلابي للحركة، وكان مصدر قلقنا يتصل اولا وأساسا بتشويش السياسي على اولوية البناء التربوي لابناء الحركة، وممكن التجويف الاخلاقي لنمط “المسلم / الداعية” الذي كانت الجماعة تجتهد في صياغته على مقاس “الجيل القرآني الفريد” كما قدمه لنا الشهيد سيد فطب في كتابه الشهير “معالم في الطريق”..

عاشت مؤسسات التنظيم السرية يومها سجالا هادئا ومتجددا حول شروط النقلة من الدعوي الى السياسي كأفق تطور طبيعي داخل الجسم، الذي أنخرط في عمومه بسلاسة في مسار انتاج الداعية / الرسالي كنموذج نضالي جديد منخرط بصفته كمتدين في معركة مقدسة ضد الظلم السياسي والاجتماعي. وفي مسار ذلك التحول قلة من قيادات جيل التأسيس كانت تخشى كلفة اقتحام المعركة السياسية بعناوين الوقوف أمام “السلطان الجائر”، فالاغلبية كانت تخشى على شبيبة الحركة التلمذية والطلابية فائض التسيس واختلال التوازن في تكوينها بين التربوي والسياسي. فقد تشكلت من خلال الحوار الداخلي صورة عامة عن ممكن التجويف التربوي / الاخلاقي الذي قد يصيب تماسك الجماعة في مقتل. فالربانية والورع كانت أسمنت اللحمة التنظيمية للجماعة التى قدت على مقاس الجيل الذي صيغت شخصيته على معارج التقوى بين جدران بيت “الارقم ابن أبي الارقم”.

لم يكن الخوف يومها على “مجتمع الاخوة” من اغراء المناصب والسلطة فلا أحد فكر في أفق الحكم يومها في ظل نظام سياسي مغلق ومحتكر للسلطة بفسوة العنف الرسمي. فخشية القيادي / الامام كانت تتمحور حول الخروج المبكر للجماعة من المسجد الى السوق قبل استكمال العدة التربوية اللازمة لأبناء الحركة المطالبين اولا بالنجاح في امتحان “الدورات الروحية” على حد تعبير الشيخ سعيد حوى، قبل ولوج معركة التدافع الاجتماعي والسياسي.

أذكر ان جزءا كبيرا من قيادات الحركة يومها انتبهوا الى ان التحول بالحركة الى مربع الصراع السياسي لم يكن افرازا لتطور طبيعي وداخلي، بقدر ما فرضته تطورات السياق الاجتماعي والسياسي الوطني (انتفاضة العمال في جانفي 1978) والدولي (الثورة الايرانية)، ثم انكشاف التنظيم فيما أصبح يعرف بحادثة التاكسي سنة 1981..
كثيرون من كوادر حركة النهضة تعتبر اليوم ان تسييس الجسم كان ضرورة فرضها الانكشاف الامني، ولم يكن خيارا ذاتيا فقد دشن الاسلاميون التونسيون تاريخ تسيسهم على محارق فجئية وقسوة الضرورة والاكراه الموضوعي، ودون ان نتجرأ على القول ان الصدفة قد كتبت السطر الاول في تاريخ تسيّس الحركة الاسلامية في تونس نقرر بأرتياح ان التسيس او اقتحام مجال الصراع السياسي بعناوينه الثقافية (الهوية) والاجتماعية (العدالة) والاممية (الاستكبار والامبريالية) كان “نصف” خيار يومها، ولم يكن “كلّ” الخيار. ولقد نجح نصف الخيار في التحول الى أختيار، وبسرعة تجاوزت رغبة الداعية في كبح جموح السياسة في تأميم وتسخير كل منابع القوة في الجسم لتوظيفها في المعركة السياسية. فتحولت الجماعة الى “مجرد” أداة تنظيمية “هاجسها الاساسي تأمين وجودها اولا ومغالبة الارادة الرسمية في استئصالها ثانيا، وتسريع نسق العدة ليوم الزينة ثالثا، وقد ساعدت أدبيات الثورة الايرانية وسرديات الثوريات اليسارية في انتظام الجسم في أفق التغيير السياسي كشرط لانجاز المطلوب التاريخي لمشروع التمكين أو الاستخلاف.

ما يهمني هنا هو التأكيد على معنى الصدفة والاكراه او الضرورة في لحظة تدشين الاسلامي التونسي لزمنيته السياسية. فمروية المحن وحروب الاستئصال التي أستهدفت الاسلاميين معروفة اليوم. ما يهمني اكثر هنا التركيز على الدور الوظيفي للأقدار او الصدفة في مسار تطور حركة النهضة من الجماعة التربوية في السبعينات الى الجماعة الرسالية في الثمانينات الى الحزب السياسي اليوم.
فالثورة التي كانت هدية قدر للتونسيين، فاجأت توقيتا كل المعنيين بالحالة التونسية في الداخل والخارج، وتقبلها الجميع على انها صدفة جميلة انتزعت تونس من “قدر الاستبداد” ورمتها بسرعة وحسم في “تاريخ الحرية”.

كان على الاسلامي التونسي الخارج لتوه من سنوات السجون والتشريد الطويلة، أن يتحمل مسؤولية “قدر الثورة” وان يحولها الى مشروع بناء وطني، بعد ان ألقى التونسيون على كواهله ثقل وأثقال الاستئمان على مصير ثورة قطعت تاريخيا مع زمن الاستبداد السياسي ووضعت البلاد في أفق الحداثة السياسية.
وكم كانت قاسية وثقيلة ومعقدة رحلة العبور بالبلاد من لحظة الثورة الى زمن الانتظام الوطني في أفق الديمقراطية. وكم كان حظ حركة النضهة ضعيفا في قيادة المرحلة.
ألحت اللحظة الوطنية على الاسلامي في ان يتحول من الرسالية والنضال الى ارتداء معطف الحاكم الانيق، وأرغمته على التفكير السريع والحاسم في تحويل التنظيم من محضن لتخريج الرسالي / المناضل القادر على الثبات والصمود، الى مؤسسة لتخريج موظف الشأن العام القادر على تسيير أجهزة الدولة.

ما يدهش في هذا الرسم التاريخي لسردية تطور حزب النهضة من الجماعة الى الحركة الى الحزب هو نجاح الاسلامي التونسي في الحفاظ على وحدة الحامل التنظيمي في هذا المسار الصعب والهادر والقاسي أيظا..
لوائح المؤتمر العاشر لحزب النهضة الذي أعلنت النهضة فيه موت الحركة وميلاد الحزب، تحيل المراقب على حقيقة مدهشة ومستفزة للتأمل،؟ تتصل بقدرة النهضويين على تعقل الاقدار وترويض “اللامعنى” وعدمية الصدف، ونظمها في تاريخ التطور الذاتي. ولعل سرعة تطور وعي النهضة بذاتها، وتطويعه ليستجيب للمطلوب التاريخي للاستواء في مربع التدافع السياسي، قد أعجز قدرة خصومها في استيعاب صدقية ذلك التحول، فأطمأنت الى التفسير الكسول الذي يرميها بالازدواجية والمناورة وادعاء التجدد والتجديد.
زلزال التجدد الذي كابدته النهضة في مؤتمرها العاشر مازلنا نواكب تداعياته وتأثيراته على النهضة اولا، وعلى الرأي العام ثانيا ومن المبكر الحسم بنجاحها في تجاوز تداعياته دون خسائر. فالمتشائم من هذا التحول من كوادر النهضة يشدد على ان تحول النهضة من حركة الى حزب معناه ببساطة هدم الصومعة لحساب الانتصاب في السوق. والمشكك في هذه النقلة من خصوم النهضة يلح في التأكيد على أن مخرجات المؤتمر العاشر ليست سوى خطوة الى الامام من أجل قفزة للوراء وتحايل مغموز لترسيخ قدم النهضة في مجتمع الحكم.
بين الداعية المتشائم من شؤم السياسة على القيمة، وتشكيك العلماني في النوايا والخفايا والمسكوت عنه، تشق النهضة الجديدة طريقها في مجتمع الحكم بهدوء هادر لا نملك الان وهنا الحكم على مآلاته، رغم ان مؤشراته توحي بأنه على صراط الاستواء في سوق الحكم.. وكم سيكون تدشينيا انجاز النهضة في تحويل الجماعة من “ميكرو مجتمع” طامح الى تغيير الوجود الحضاري لأمة، إلى حزب سياسي همه تحسين شروط الموجود السياسي والاجتماعي لوطن.

جريدة الرأي العام (التونسية)

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد