تدوينات تونسية

“إبراهيم” بالميم المعرّقة ذات الجناحين

الخال عمار جماعي

لم يعرف الوالد -رحمه الله- كتّابًا ولا اختلف إلى مؤدّب ولا أمسك بيده يوما دواةً أو خطّ بقلمٍ ليكتب شيئا.. ولم يجد حاجة لذلك. فقد تحصّل على بطاقة تعريف في السبعينات وعمره أكثر من أربعين عامًا عاشها في غنًى عمّا يتطلبه القلم والخطّ.. واكتفى بها في تعامله مع الدولة. والحقيقة أنّ تعامله معها لا يعدو أمرين: أن ينتخب الرئيس دائما أو أن يتحصّل على معونات الفقراء.

لا أذكر أنّ أبي وقّع على ورقة رسمية فـ “سيّده” الذي هو عمّي -رحمه الله- يفعل هذا نيابة عنه دائما.. ولست أعتقد أنّنا احتجنا يوما لأية ورقة حكومية سوى “شهادة الفقر” التي تستخرجها أمّي من العمدة بسبب وبغير سبب. عاش الوالد على هامش الدولة وظلّ طول عمره يخاف من حرسها الوطني.

غير أنّه في الثمانينات، عندما قامت الدولة بحملة تخصيص للأراضي جاءه عمّي وقال له: “يا إبراهيم خويا هيا نمشوا نصححوا”.. وعادا بكرّاسات صفراء ووضعاها بين يديّ لأقرأها لهم. ساعتها فقط انتبهت لإمضاء أبي.

واضح أنّه بذل جهدا وعرقا ليكتب اسمه. فارتعاش الخطّ يدلّ على عدم حذقه بمسكة القلم وانزلاق الاسم نحو الأسفل يؤكّد إمالة رأسه وهو يكتب. ولكن الخطّ كان واضحا مقروءا : فالهمزة على عدم استقامة ألفها قائمة والباء مستوية بنقطتها من أسفل والرّاء بنصف دائرتها مقبولة وهي تقابل إطالة فتحتها والهاء والياء في حالة جيّدة.. فقط الميم!

الميم في اسم أبي غير ما عرفت من المدارس. فهو يلحقها بجناحين: علويٍّ وسفليٍّ كشصّ صنّارة ! فلمّا سألته قال لي :” هذيكة معرّقة”!.. قلت :” في بالي الميم ما تتعرّقش بابا”. قال هازئا :” تعرف خير من سيدي؟!” – يقصد عمّي محمد -.. عندها فقط انتبهت أنّه يقلّد “دال” سيّده التي يكتبها بجناحين بجانب إمضائه هو!.. ومثل هذا لا يكون إلاّ عن محبّة.. فقد كان يرفض أن أصحّح له رسمها ويصرّ على رسم الجناحين !

كلّ هذا التداعي كان بسبب عثوري اليوم بالصدفة على احدى تلك الكرّاسات الصفراء في ورق قديم لي تخصّص أرضا لنا لا أعرف موقعها ولكنّي أعرف جيّدا تلك “الميم المعرّقة ذات الجناحين”.. ما حزّ في قلبي هو أنّي لم أسأله يوما -رحمه الله-: متى وكيف تعلّم كتابة اسمه؟”.

“الخال”

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock