الجمعة , 18 سبتمبر 2020

لائحة عبير موسي عن ليبيا.. ظاهرها مهاجمة الغنّوشي وباطنها محاصرة قيس سعيّد

عبد اللّطيف درباله 

لائحة عبير موسي عن ليبيا.. في ظاهرها محاولة لمهاجمة وإسكات لراشد الغنّوشي.. وفي باطنها محاصرة وتقييد لرئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. وتحييد وإرباك لتونس..!!

جلسة ماراطونيّة من صباح يوم الأربعاء 3 جوان إلى صباح يوم الخميس 4 جوان..!!
ونقاش غريب في آخر الليل وفجرا.. يزعم أنّه حول الديبلوماسيّة البرلمانيّة.. وموقف تونس في ليبيا.. ومصالح الشعب الليبي.. ومصلحة تونس..!!
و20 ساعة كاملة من مداخلات النواب.. وخطبهم الرنّانة.. واقتراحات.. وتهديدات.. ولائحة.. وتنقيحات على اللاّئحة.. ومن هو مع ومن هو ضدّ.. وهم يفتون.. ويتحذلقون.. ويريدون اتخاذ قرار ضدّ التدخّل الأجنبي في ليبيا..
وكأنّ نوابنا هم نواب البرلمان الليبي نفسه وليس البرلمان التونسي..!!!
أو لعلّ نوابنا ظنّوا أنّهم أعضاء في مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة..!!
أو ظنّوا مجلس النواب التونسي هو جامعة الدول العربية..!!!

جلسة موضوعها في الظاهر هو محاورة أو مساءلة أو محاسبة رئيس مجلس نواب الشعب.. راشد الغنّوشي.. من أجل التدخّل في النزاع الليبي.. بتعلّة أنّ ذلك فيه تجاوز لصلاحيّاته.. ويعدّ تدخّلا في صلاحيّات وسلطات رئيس الجمهوريّة بوصفه المسؤول عن السياسة الخارجيّة..
ولكنّ في الباطن الأمور أعمق من ذلك بكثير..!!

بعض الأطراف في مجلس النواب.. تقودهم ظاهرا عبير موسي.. كانت وهي تزعم الدّفاع عن صلاحيّات رئيس الجمهوريّة في السياسة الخارجيّة من الاستيلاء عليها من طرف رئيس مجلس النواب.. كانت تحاول على العكس تماما.. وفي نفس الوقت.. استصدار قرار متناقض يحدّد ضوابط السياسة الخارجيّة التونسيّة في ليبيا..!!
أي أنّ مجموعة الأحزاب والنواب التي كانت تزعم حماية صلاحيّات رئيس الجمهوريّة من تعدّي رئيس مجلس النواب لأجل مكالمة تهنئة هاتفيّة لرئيس حكومة الوفاق بطرابلس.. كانت هي نفسها تتدخّل بدورها في صلاحيّات رئيس الجمهوريّة.. وتسعى لأن تفرض عليه رأيا وتوجّها محدّدا في الملفّ اللّيبي..!!
وكانت طريقة ذلك هي استصدار قرار من مجلس نواب الشعب يحدّد ضمنيّا ضوابط وحدود السياسة الخارجيّة التونسيّة في الملفّ الليبي والنزاع بالجارة الشقيقة..!!!

تحاول تلك الأحزاب.. ويحاول أولئك النواب.. أن يلعبوا دور المهندس للموقف التونسي في ليبيا.. رغم أن النواب لا تتوفّر لديهم نفس المعطيات والمعلومات والتقارير السياسية والاستخباراتية والدبلوماسية.. التي تتوفّر لدى رئيس الجمهوريّة لتحديد سياسته الخارجية.. واتخاذ القرار المناسب على ضوئها..!!!
بعض الأحزاب والنواب.. يعتقدون أنّه بمجرّد اعتبارات أيديولوجية.. وعلاقات شخصيّة.. وارتباطات بالخارج.. ومطالعة بعض الأخبار والمقالات.. وبتعبيرات انشائيّة.. يمكنهم أن يدركوا اعتبارات الأمن القومي التونسي.. ويحدّدوا السياسة الخارجيّة لدولة..!!!

الواقع.. أنّه خلافا للظّاهر.. فلو مرّت لائحة عبير موسي ومن معها.. كانت هي التي ستشكّل خرقا لصلاحيّات رئيس الجمهورية.. الذي أعطاه الدستور سلطات إدارة السياسة الخارجية.. وأمور الدفاع.. والأمن القومي..
وليبيا بالذات.. تشكّل لتونس وفي نفس الوقت.. موضوعا يتعلّق بالسياسة الخارجية.. وبأمننا القومي.. وبالدفاع عن حدودنا وسيادتنا..!!
ولائحة عبير موسي ومن معها أرادت فرض موقف معيّن في النزاع الليبي.. وإظهار أنّه صادر عن مجلس نواب الشعب.. أعلى هيئة تشريعيّة في البلاد.. والتي هي منتخبة مباشرة من الشعب تماما كرئيس الجمهوريّة..!!
وبالتالي فإنّ ذلك سيصنع نوعا من الإطار العام المحدّد لمربّع التحرّك في الملفّ الليبي.. لجميع الأطراف.. مثل رئيس الجمهورية.. ورئيس الحكومة.. وليس رئيس مجلس النواب وحده وفقط..!!!

فإن خضع رئيس الجمهوريّة لذلك القرار الصادر عن البرلمان.. فيعني هذا أنّ مجلس نواب الشعب فرض عليه سياسته ورأيه واختياراته.. (والتي تتلاقى مباشرة في الواقع مع مواقف محاور دولية وإقليمية أخرى)..!!
وإن خرق رئيس الجمهوريّة قرار المجلس.. سيتّهمونه بأنّه خرق قرار السلطة التشريعية والإرادة الجماعية للشعب.. وضرب به عرض الحائط..!!
بل وقد يكون ذلك شرارة افتعال أزمة سياسية جديدة من أجل الملف الليبي.. لكن هذه المرّة مع الرئيس..!!
وفي الحالتين كان ذلك سيقيّد.. أو سيحرج ويربك.. رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد..!!

الأدهى من ذلك.
أنّ القرار الذي سقط.. اعتمد كمرجعيّة سياسيّة له قرار البرلمان العربي بتاريخ 15 جانفي 2020..
وبالتالي فإنّ ذلك من شأنه أن يزيد في محاصرة رئيس الجمهورية.. لكون خروجه عن لائحة عبير موسي لاحقا.. سيجعله خارقا لقرار مجلس الشعب.. وخارقا أيضا لقرار البرلمان العربي.. والذي “سيصادق” عليه (ضمنا) مجلس الشعب بمقتضى تلك اللاّئحة لاعتمادها عليه..!!!
ومؤسّسة البرلمان العربي هي نكتة مضحكة وسخيفة في حدّ ذاتها..!!
فثلاثة أرباع الدول العربية لا تملك برلمانات حرّة وديمقراطية.. وإنما مجرّد برلمانات للزينة على شاكلة برلمان الديكور لبن علي قديما..!!
بل أنّ خمس الدول العربية لا توجد بها برلمانات أصلا..!!!
والفضيحة أن نجعل من البرلمانات العربيّة الديكور هي المرجعيّة لقرار برلمان تونس.. الذي يبقى برلمانا شرعيّا وحرّا وديمقراطيّا.. رغم جميع عيوبه وهنّاته..!!!

الواضح إذن أنّ عبير موسي.. ومن معها.. ومن وراءها.. هدفوا لا فقط إلى مهاجمة وإحراج ومحاصرة وإسكات راشد الغنّوشي رئيس مجلس نواب الشعب.. كما يظهر للعلن.. ولكنّهم هدفوا في الخفاء إلى مصادرة حقّ رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد نفسه في تقرير السياسة الخارجيّة في الملفّ الليبي.. ومحاصرته في إطار محدّد ستقرّره لائحة عبير موسي (ومن وراءها ومن معها) وسيصادق عليه مجلس نواب الشعب..!!!
لائحة ظهر وكأنّها اقْتُرٍحَتْ على عجل.. غير أنّ شكوكا قويّة تحوم حول التحضير لها مسبقا وعلى مهل بطريقة مدروسة.. بالنظر إلى المستجدّات العسكريّة على الأرض خلال الأيّام الأخيرة.. والتي بدأت تميل لصالح حكومة الوفاق على حساب قوّات الجنرال خليفة حفتر..!!

كان ذلك التمشّي يهدف أيضا وتبعا لذلك إلى تحييد الدولة التونسيّة تماما في ما يخصّ الملفّ الليبي.. وتضييق هامش الحركة عليها كليّا.. حتّى بفعل ما قد يطرأ لاحقا من تطوّرات وتغيّرات للمستجدّات السياسيّة والديبلوماسيّة والعسكريّة في ليبيا وعلى حدودنا.. وذلك عبر محاولة فرض إطار “تشريعي” مزيّف.. على رئيس الجمهوريّة وعلى رئيس الحكومة وعلى مجلس نواب الشعب..
أي بشكل يقوم بإرباك كلّ السلط في تونس في ما يخصّ مرونة اتخاذ القرار المناسب في الملفّ الليبي.. على ضوء ما يتوفّر من معلومات ومعطيات وأسرار وخفايا.. لا تتوّفر بتاتا لا لدى الأحزاب ولا لدى النواب..!!

لائحة عبير موسي التي سقطت.. كانت ستؤدّي لو مرّت فعلا.. إلى حشر الموقف التونسي من ليبيا في إطار ضيّق جدّا.. وإضعافه تماما.. بما ينقص من هامش الحركة عن رئيس الجمهوري.. وعن رئيس الحكومة.. وعن مجلس النواب..
ويربك الدولة التونسيّة ويحاصرها ويحيّدها كليّا عن القيام بأيّ دور فاعل في الأزمة الليبيّة.. بطريقة تراعي مصالح الشعب الليبي.. وتراعي مصالح الشعب التونسي وأمنه القومي واقتصاده وعلاقاته الدوليّة والإقليميّة..!!

شاهد أيضاً

رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. “اخدم على روحك”.. قبل شعار “اخدم والشعب معاك”..!!

عبد اللّطيف درباله  الرئيس سعيّد الذي يريد تجاوز صلاحيّاته الدستوريّة بالتدخّل في السياسة الداخليّة.. تقاعس …

الأمر يتجاوز المشيشي..

عبد اللّطيف درباله  لماذا لا تعلن الأحزاب مسبقا عن أسماء مرشّحيها لرئاسة الحكومة قبل الانتخابات …