الجمعة , 18 سبتمبر 2020

لماذا يصدّق الكثير من التونسيّين أي شيء ؟!

عبد اللّطيف درباله

لماذا يفتقد الكثير من التونسيّين إلى القدرة على التمييز ويصدّقون أيّ شيء.. ويمكن توجيه الرأي العامّ والناخب..؟؟!!

توجّه الدكتور “ذاكر الله ألاهيذب” مساء أمس.. بسؤال خصّني به ضمن مجموعة من الأشخاص.. وكان نصّة كما يلي:
“سؤال لأصدقائي المفكّرين من جميع الأطياف.
“كيف نبني ديمقراطيّة صلبة مع ناخب ورأي عام يوجّهه موقع تونس نيوز؟”
والدكتور “ذاكر الله ألاهيذب”.. هو طبيب مختصّ في أمراض القلب بالمستشفى العسكري بالعاصمة.. وناشط سياسي.. ويكتب للنّاس في الشأن العام.. وقد عدّني مشكورا من المفكّرين.. وتلك مجاملة لطيفة منه.. إذ أحسب نفسي مجرّد شخص يحاول التفكير وليس أكثر..

لمن لا يعرفه.. فإنّ موقع “تونس نيوز” الوارد بالسّؤال.. هو موقع ساخر.. ينشر أخبارا ساخرة غير صحيحة كما لو كانت صحيحة..
والموقع يشير صراحة وبوضوح على صفحته بأنّ أخباره ساخرة وغير صحيحة..
ويفترض بأنّ المتابع للموقع يعرف بأنّه ساخر من أسلوبه وعناوينه..
فإن لم يعرف ولم يتفطّن القارئ لذلك.. فإنّ طبيعة الخبر نفسها يفترض أنّها تحمل من المبالغة والسخرية الخفيّة والأسلوب الكاريكاتوري عبر الكتابة ما لا يمكن للقارئ معه أن يصدّق سلامة ذلك الخبر.. حتّى ولو كان غير عالم بطبيعة وأسلوب الموقع..!!
غير أنّه للأسف.. وطوال السنوات الأخيرة.. استطاع ذلك الموقع الساخر بالذّات.. أن يصبح مصدرا للكثير من الأخبار المغلوطة واللّخبطة والإشاعات التي لم يصدّقها ويتداولها عامّة الناس فقط.. وإنّما أوقعت حتّى الكثير من الإعلاميّين ومن وسائل الإعلام.. ومن الشخصيّات السياسيّة المعروفة.. ومن الشخصيّات العامّة.. في الفخّ.. فصدّقوا تلك الأخبار “الضاحكة”.. وعلّقوا عليها أو ناقشوها أو نشروها أو ردّوا عليها أو اتخّذوا مواقف منها..!!
حتّى أنّ الجهات الرسميّة نفسها اضطرّت مرارا عديدة إلى إصدار بيانات لنفيها أو تكذيبها بعد أن أصبحت منتشرة كخبر صحيح أثار ضجّة وردود فعل شعبيّة..!!!

لكنّ سؤال الدكتور ذاكر يخرج من الخاصّ إلى العام.. وهو يتساءل عن إمكانيّة بناء ديمقراطيّة صلبة.. مع ناخب ورأي عام يوجّهه موقع (مثل) “تونس نيوز”.. أي هل يمكن بناء ديمقراطيّة صلبة على أساس وعي أو فهم شعبيّ مبنيّ على أسس غير صلبة.. أي يمكن للناخب فيها تصديق أيّ شيء.. بما يؤثّر على خياراته.. ويوجّه صوته خطأ للمترشّح الخطأ..؟؟!!

وبأسلوبي المعتاد.. ومقتبسا أيضا من اختصاص الدكتور “ذاكر الله ألاهيذب” في الطبّ.. فأنّ أوّل خطوة للعلاج هي بلا شكّ التشخيص الجيّد للمرض..!!
فإذا ما كان الدّاء هو: “لماذا يصدّق الكثير من الناس في تونس أيّ شيء..؟؟”..!!
فإنّ تشخيص سبب الدّاء في اعتقادي ببساطة هو: “لأنّه وقع تربيتهم وتعليمهم وتثقيفهم وتكوينهم على تقبّل وتصديق كلّ شيء..”..!!
والدّواء هو: تغيير تربية وتعليم وتكوين وثقّافة وإعلام المواطن التونسي.. لإكسابه الوعي ومهارات التفكير الذكيّ والفهم السّليم والشكّ البنّاء والقدرة على التحليل والمقارنة والنّقد والتمييز..

يقيني أنّ الشعب التونسي هو في ذلك ضحيّة للأنظمة الاستبداديّة المختلفة التي سيطرت على الحكم في بلاده.. سواء قبل الإستقلال ممثّلة في الإستعمار الفرنسي.. أو بعد الإستقلال ممثّلة في الديكتاتوريّة..!!
فالديكتاتوريّة مثلها مثل الإستعمار تماما.. هي في حاجة إلى إفقاد الشعب وعيه وقدرته على الفهم.. حتّى يكون “جاهلا” (معرفيّا).. وخانعا.. ويتقبّل الإستبداد واحتكار السّلطة والظلم ونهب ثرواته وفساد السلطة الحاكمة وحكمه بالحديد والنّار.. والرضاء بذلك بغير رفض أو مقاومة أو احتجاج أو مجرّد تململ أو أيّ ردّ فعل..!!
لذلك.. فقد وقع التلاعب طوال عقود.. بطريقة متعمّدة ومنهجيّة ومدروسة.. بوعي وعقل وفكر الشعب التونسي.. لجعل المعرفة والفهم والثقّافة لكلّ مواطن محدودة.. عبر برمجة سلبيّة.. أنتجت تسطيحا فكريّا.. وفقرا في الوعي شبيها بمرض فقر الدم.. ممّا أفقد بالفعل فئات كثيرة من التونسيّين القدرة على التمييز والفهم السّليم.. لدرجة أنّ بعض المواطنين قد يصدّق كلّ ما يقال له.. ولا يمكن له أن يعرف الخبر الخاطئ من الخبر الصحيح.. ويفتقد إلى القدرة على تحليل وتمحيص الأخبار والمعلومات والتصريحات.. والتفطّن للاّ معقول واللاّ منطقي فيها..!!

من المعلوم أنّ القدرات العقليّة والمعرفة والوعي والفهم والثقّافة لكلّ مواطن.. تبنى في كلّ دولة على ثلاث أسس رئيسيّة:

  1. التعليم. (وتشمل النظام التعليمي بجميع مستوياته وطبيعة ومحتوى البرامج الدراسيّة ومنهجيّة التدريس).
  2. الثقّافة. (وتشمل المعرفة ومختلف الفنون خاصّة الدراما والسينما والمسرح والغناء والأدب والشعر..).
  3. الإعلام. (وتشمل الإذاعات والتلفزات والصحف المكتوبة والمواقع الإلكترونيّة وسائر المنشورات)

وحتّى المبادئ الدّينيّة.. فإنّ تلقينها يتمّ بدوره أساسا عبر الوسائل الثلاثة.. إضافة إلى المساجد وبعض المراجع والمؤسّسات الدينيّة الأخرى..
وعقل أيّ مواطن في أيّ دولة.. هو في النهاية وإضافة إلى ملكاته الفطريّة.. هو نتاج لتربية العائلة.. وللتعليم والثقّافة والإعلام الذي تربّى فيه.. دون أن ننسى أنّه حتّى تربية العائلة نفسها هي متأثرّة (من خلال عقليّة الأب والأمّ).. بنفس العوامل المذكورة الثلاثة..!!

الأنظمة الاستبداديّة في تونس كانت تدرك تماما.. بالتجربة.. بأنّه كلّما امتلك المواطن التونسي القدرة على المعرفة الواسعة والفهم السليم والوعي العالي والذكاء والقدرة على التحليل.. كلّما امتلك قدرة على فهم طبيعة النظام وما يحاول إخفائه.. وكلّما امتلك بالتالي “معارضة” آليّة للنظام المستبدّ.. ودَفًعَهُ لرفضه ومقاومته..!!!
لذلك فإنّ سياسة الأنظمة الاستبداديّة هي تغييب وعي المواطن تماما.. أو إضعافه لأقلّ قدر ممكن..!!
ويتمّ ذلك أساسا باستعمال نفس الوسائل الثلاثة المذكورة عبر ما يلي:

1. التعليم:
وذلك باعتماد برامج تعليميّة موجّهة تتطابق مع النظام العام والفكر السائد بالبلاد.. وتعتمد أساسا على التلقين السلبي والحفظ التقريري للمعلومات.. لغرس أسلوب التلقّي الآلي دون إعمال التفكير.. وإغراق التلاميذ والطلبة في الكمّ على حساب الكيف..!!
وهو ما نلاحظه في تونس في كثافة البرامج الدراسيّة وتعدّد الإمتحانات.. ومن طبيعتها القائمة على الحفظ وأسلوب السؤال والجواب.. لا التحليل والتأليف والنّقد..!!
بحيث يمكن للمتعلّم أن ينجح بمجرّد الحفظ وإعادة إلقاء نفس المعلومة المتلقّاة.. دون أن يكتسب قدرات عميقة على آليّات التفكير أو الفهم أو التحليل أو النقد أو الحسّ التأليفي.. وفق الشعار المعروف لدى التلاميذ: “بضاعتكم ردّت إليكم”..!!
لعلّ أفضل دليل على ذلك ما نراه ونعاينه منذ سنوات من أنّه يمكن بسهولة أن ينجح التلاميذ والطلبة في تونس “بالفاسكوبي” في أغلب مستويات وأنواع التعليم في تونس.. لأنّ النظام التعليمي والامتحانات قائمة أساسا على حفظ وسرد المعلومات.. ولو كان قائما على الفهم والتحليل والإدراك.. لكانت المعلومات حتّى ولو توفّرت للتلميذ فإنّها لا تضمن بمفردها نجاحه..!!!

2. الثقّافة:
سياسة كلّ الأنظمة الاستبداديّة.. وما حصل أيضا في تونس.. معروفة.. وهي التحكّم في الثّقافة من حيث المحتوى والحدود.. والسيطرة على الفعل الثقّافي والفنّي.. فلا حريّة فكر ولا حريّة تعبير ولا حريّات فنيّة أو أدبيّة..!!
لذلك فإنّ الأدب والروايات والشعر والأفلام والمسلسلات التلفزيّة والمسرحيّات والرّسم والكاريكاتير وغيرها.. كانت تخضع للرقابة المسبقة.. وللمنع الكلّي أو التعديل والحذف الجزئي.. وهي تدور في إطار فكري وسياسي معيّن لا تتجاوزه.. ولا يمكنها بالتالي أن تكون أداة للوعي ولا الفهم العميق ولا النقد ولا التحليل للواقع المعيش.. أو تعرية لسياسة النظام وأساليبه..!!
فإذا فقدت الفنون حريّتها.. فشلت ولم يمكنها أن تزدهر.. ولا أن تلعب دورها المحوري في تثقيف الشعب ورفع درجة وعيه أو ذكائه..!!

3. الإعلام:
أحكمت السلطة في تونس طوال عقود سيطرتها على وسائل الإعلام.. وعلى الإعلاميّين.. وقامت بتدجينها كلّها بمختلف أنواعها.. بحيث لا تُرِي الشعب إلاّ ما يريده النظام أن يراه.. وكانت جميعها تطبّل للنظام وللديكتاتور.. وتغيّر الواقع الحقيقي بواقع افتراضي مزّيف في ظلّ تعتيم عن الأخبار الصحيحة.. وتضليل.. وفبركة.. وتغييب للإعلاميّين المتميّزين وللكتابات الناقدة والعميقة التي تغرس وتنشر المعلومة الصّحيحة والمعرفة والوعي والفهم والتمييز لدى الجمهور…!!
حتّى بظهور الإنترنت كفضاء جديد للاطّلاع على آراء جديدة.. من خارج وسائل الاعلام التقليديّة المسيطر عليها.. ومن خارج إطار السلطة.. ومن خارج تونس أصلا.. سعى نظام بن علي إلى محاصرة ذلك.. عبر سياسة الحجب الواسعة (“عمّار 404”).. ويكفي أن نتذكّر بأنّ الكثير من الموقع الإلكترونيّة وصفحات الفايسبوك كانت ممنوعة إلى ليلة رحيل بن علي.. بل أنّ مواقع “اليوتيوب” و”الديلي موشن” مثلا كان مغلقة تماما في تونس لسنوات طويلة..!!!

حتّى أنّ الأدب الساخر الذي كان مزدهرا في تونس قبل الإستقلال.. سواء في الصحّافة الساخرة أو في الكتابات والكتب والشعر.. يكاد أن يكون قد انقرض طوال عهدي بورقيبة وبن عليّ.. في ما عدا بعض التجارب الصحفيّة المحدودة التي دامت فترة قصيرة قبل أن تتوقّف.. وكانت مواضيعها ومجالها محاصرة طبعا بالخطوط الحمراء الغليظة المعروفة.. لأنّ الأسلوب السّاخر يستوجب سقفا عاليا جدّا من الحريّة لم يكن متوفّرا بالتأكيد في عهود ما قبل الثورة..!!
لذا فالكثير من المواطنين التونسيّين لا يعرفون أصلا معنى الصحّافة الساخرة.. ولم يتعوّدوا بها.. ولا يمكنهم بالتالي استيعابها.. ولا استيعاب طبيعة مقالاتها.. أو التفطّن للأسلوب السّاخر فيها وإدراكه.. والضّحك له.. عوض أخذ أخبارها على محمل الجدّ.. والاعتقاد بأنّها صحيحة.. ونشرها وترويجها..!!!

في ظلّ نظام الفكر الواحد.. والحاكم الواحد.. والحزب الواحد.. والرأي الواحد.. واللّون الواحد.. لم يكن هناك أصلا اختلافا وتنوّعا يخلق تباينا ثريّا في الأفكار.. ووعيا بين النّاس.. وميولا للمقارنة والتقييم.. وفرز الصحيح من الخطأ.. والغثّ من السمين..!!
ومن الطبيعي أمام محاصرة الفكر والوعي عبر التعليم والثقّافة والفنون والإعلام.. أن نجحت أنظمة الإستبداد في تغييب وعي فئات كبيرة من المواطنين التونسيّين.. وأفقدتهم بالفعل القدرة على حسن الفهم والتحليل والنّقد والمقارنة والتمييز..!!
وكان لذلك أثره.. حتّى مع بداية الديمقراطيّة بعد الثورة.. في إمكانيّة توجيه الرأي العام.. والتلاعب بفكر وتوجّهات وخيارات النّاخب.. دون أن يشعر أو أن يتفطّن.. إذ أنّ عقله مبرمجا أصلا على سرعة التقبّل والتصديق.. وعدم التفكير أو التشكيك..!!!

لا يزال الكثير من الجهد والوقت مستوجبا لإعادة بناء وعي المواطن التونسي.. ولصناعة قدرته على الفهم والتحليل والتمييز والنّقد بأعلى الدّرجات..!!
ولا شكّ أنّ الحريّة الإعلاميّة والرقميّة المتوفّرة اليوم.. ستساعد شيئا فشيئا على ذلك..
في انتظار أن ترتقي الثقّافة والفنون بدورها إلى درجة الثّورة.. وتواكبها بسقف الحريّة والتنوّع الجديد المتاح لها أخيرا..
غير أنّ الثورة في فكر وعقل ووعي المواطن التونسي.. وأوّل خطوة لبناء ديمقراطيّة صلبة مع ناخب ورأي عام لا يسهل توجيهه أو التأثير عليه غلطا.. يبدأ بإصلاح المنظومة التعليميّة في تونس.. ليكون هدفها أن يكتسب التلميذ والطالب.. (أي في النهاية المواطن التونسي).. القدرة على الفهم السليم والتحليل الذكيّ.. أكثر من القدرة على حفظ المعلومات المتلقّاة وإعادة إلقائها.. ثمّ النسيان..!!
وأن يكون هدف التعليم والدراسة هو إكساب التونسي (المواطن والناخب).. مهارات القراءة الصحيحة والفهم والشكّ والمقارنة والتمييز والنقد والتأليف.. وكيف يكون منطقيّا وعقلانيّا وموضوعيّا.. أكثر من محاولة تحفيظه كمّا هائلا من المعلومات والأرقام العمياء.. والتي لن تكون في ذاكرته أبدا بعد نهاية الإمتحان أو السنة الدراسيّة..!!

خلافا للمعلومة الزّائلة والمنسيّة.. فإنّ الذكاء والوعي والفهم باقية وتتمدّد..!!!

شاهد أيضاً

عودة مدرسيّة متعسّرة ومتعثّرة..!!

عبد اللّطيف درباله  اليوم 15 سبتمبر 2020.. كانت عودة مدرسيّة جديدة تأتي في وقت مشحون …

رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. “اخدم على روحك”.. قبل شعار “اخدم والشعب معاك”..!!

عبد اللّطيف درباله  الرئيس سعيّد الذي يريد تجاوز صلاحيّاته الدستوريّة بالتدخّل في السياسة الداخليّة.. تقاعس …