الجمعة , 18 سبتمبر 2020

الماء الماشي للسّدرة !!

صالح التيزاوي

كم هو عجيب أمر حكومات ما بعد الثّورة!! عجب يدعو إلى الرّيبة فيها والتّوجّس خيفة من سياساتها..فهل باتت تعمل ضدّ إرادة الشعب؟ وهل هي واعية حقيقة بطبيعة المرحلة وأنّها حكومات جاءت بعدالثّورة، لتصلح ما أفسده الإستبداد؟

لقد طالب عموم الشّعب منذ قيام الثّورة ومازال على شبكة التّواصل برفع الأتاوة المسلّطة عليه لمصلحة الإذاعة والتّلفزة وطالب كثير من النّشطاء بتحويلها لدعم التّنميّة في الجهات المحرومة والمعدومة، وإذا بحكومة الفخفاخ، تركب رأسها وتتّخذ قرارا صادما ومفاجئا وفي غير وقته بما يمكن اعتباره أتاوات جديدة على الشّعب لمصلحة المؤسّسات الإعلاميّة الخاصّة، وذلك بتغطية نسبة 50٪ من تكلفة البث لكلّ القنوات وتمويل برامج التّأهيل من المال العمومي، أليس تأهيل قطاع الصّحّة العموميّة وتوفير أسرّة الإنعاش أولى بهذه النّفقات؟

غريب أمر هذه الحكومات، يقولون بأن محاربة الفساد من أولويّاتهم، ثمّ تأتي أوّل قراراتهم تمويلا ودعما لإعلام فاسد، بعض وجوهه مازالوا في السّجن بتهم الفساد وبعضهم أدانه القضاء وخرج من السّجن بموجب عفو رئاسي، ورجعوا ليتصدّروا المشهد الإعلامي، وبعض، مالكي القنوات الإعلاميّة تحوم حولهم شبهات فساد مالي وسياسي وإعلامي، “فساد مركّب”. فأيّ دعم يستحقّه هؤلاء الفسدة؟

غريب أمر هذه الحكومات، تقتطع من أجور الموظّفين والأجراء، من قوتهم اليومي بعنوان المساهمات التّضامنيّة لدعم الصناديق الإجتماعيّة، ثمّ تزيد حكومة الفخفاخ فتقتطع لدعم مجهود الدّولة في مواجهة جائحة الكورونا، ثمّ نتفاجأ بأنّ ما اقتطع من أجورنا ستنفق منه الحكومة بسخاء على أصحاب المال والأعمال من مالكي القنوات الإعلاميّة، الذين يبتزّون الدّولة، فهل تكافئهم حكومة الفخفاخ على ابتزازهم وقلّة معروفهم (حوار الماجول مع مريم علي قناة الحوار في بداية تفشّىي وباء الكورونا). وإذا قالت الحكومة أنّ المساعدة الموجّهة لقطاع الإعلام الخاص، ليست من أموال الإقتطاع، وأنّها تملك المال الكافي لدعمه، نقول لها.. لماذا الإقتطاع إذا؟

يعلنون أنّ الدّولة لن تتخلّي عن دورها الإجتماعي في التّشغيل وفي الحدّ من الغلاء وفي تحقيق التّنميّة وفي تحسين الظٍروف المعيشيّة للنّاس، ثمّ يتّخذون القرار تلو القرار لدعم ألأثرياء الذين دأبوا على ابتزاز الدّولة والذين تعوّدوا أن يغنموا في السّلم كما في الأزمات والجوائح يستعجلون الإقتطاع من أجور الموظّفين ويكفّون أيديهم عن الرّؤوس الكبيرة، بل ويسوقون لهم الدّعم المالي ليبلعوا الدّولة ويستعبدوا المجتمع!!

حكومات تقول إنّها مع الفقراء والمهمّشين ولا تفعل شيئا في الواقع لمصلحتهم غير الكلام، بينما تسارع بالفعل إلى اتّخاذ قرارات لمصلحة مافيات المال والإعلام، وتجتهد في تنفيذها بكل إخلاص. فهل ما فعلته حكومة الفخفاخ من الأولويّات، والبلاد تواجهة وضعا اقتصاديّا صعبا، زادت الجائحة من مصاعبه؟

ماذا جنينا من هذا الإعلام غير السّطحيّة وإثارة الفتن وخدمة أجندات غير وطنيّة وإفساد للأخلاق والذوق العام وإثارة للعنف والكراهيّة والإصطفاف في المعارك الحزبيّة وتبييض الفسدة الذين يبحثون عن حصانة في مجلس نوّاب الشّعب؟ هل يستحقّ هذا الإعلام أن تعطيه الدّولة من أموال التّنميّة والصّحّة والتعليم، وفي هذا الوقت بالذّات؟

في بعض الأحيان يخيّل إليّ أنّ حكومات ما بعد الثّورة بقراراتها الإرتجاليّة والمسقطة، هي من يقود الثّورة المضادّة أو هي تستعجل ثورة ثانية.. قرارات حكومات الفخفاخ لمصلحة الإعلام الخاص الذي نكّل بالدّولة والمجتمع، يثير كثيرا من الأسئلة المشروعة، هل هي ترويض لقطاع، يعرف الفخفاخ أكثر من غيره، أنّه فاقد للنّزاهة والمصداقيّة، لا ينفع معه سوى الهدم وإعادة البناء بدل تسمينه؟ ما أقدمت عليه حكومة الفخفاخ يذكّرنا بدور وكالة الإتّصال الخارجي التي ركّزها عبد الوهاب عبد اللّه وجنّد لها فئة من مرتزقة الإعلام لتلميع صورة بن علي في الدّاخل والخارج وهم أنفسهم اليوم الذين يقودون المشهد الإعلامي، فهل باتت هذه الحكومة تستعجل نهايتها؟

شاهد أيضاً

جامعة الدّول العربيْة توقّع شهادة وفاتها

صالح التيزاوي  أحوال العرب، أنظمة وجامعة، لا تسرّ. أنظمة خارج التّاريخ، تعمل لغير مصلحة شعوبها، …

جمعة التّطبيع من الحرم المكّي

صالح التيزاوي  لن يقف التّطبيع عند الإعتراف بالكيان الغاصب للأراضي الفلسطينيّة وللجولان المحتلّ الذي اعتبر …