تدوينات تونسية

أركان الإستبداد هم أنفسهم رعاة الفساد..

صالح التيزاوي

جرّب رعاة الثّورة المضادّة في الخارج (محور الشّرّ العربي) وعن طريق أذيالهم في الداخل تخريب الثّورة التّونسيّة على نحو ما فعلوا في سائر بلدان الرّبيع العربي التي أغرقوها في أنهار من الدّماء بتدبير الحروب الأهليّة (ليبيا، سوريا) والإنقلابات العسكريّة (مصر) أو عبر التّدخّل العسكري المباشر كما في اليمن. وقد حشدوا لذلك المال وكلّ شياطين الأرض من أوباش الإعلام والسّياسة والمال.

لئن نجحت العمليّات الإرهابيّة في تدبير اعتصام الرّحيل الذي أسقط حكومتي الترويكا الأولى والثّانية، فإنّ الإعتصام فشل في الإنقلاب على الإنتقال الديمقراطي رغم ارتفاع الأصوات اليسارجيّة والقومجيّة باستنساخ التّجربة الإنقلابيّة المصريّة، وإن أدّى الأمر إلى قتل الآلاف، وقد رقصوا حول “خصّة باردو” طربا على مشاهد القتل والحرق التي تناقلتها وسائل الإعلام من ميداني “رابعة والنّهضة”ويذكر أنّ حمّة الهمّامي قد دعا إلى حلّ المجلس التأسيسي قبل أن يفرغ من كتابة الدّستور. كما لم تنجح لاحقا انتخابات أكتوبر 2014 التي أعادت المنظومة القديمة في إحداث انقلاب ناعم على المسار الدّيمقراطي بتحريض من شياطين الثّورة المضادّة في غرفة أبوظبي، ولكنّها نجحت في حماية الفاسدين عبر تمرير قانون المصالحة الأداريّة سيّء الذّكر، وعبر العفو الرّئاسي على إعلاميين ضالعين في الفساد والتستّر على آخرين، كما أنّ الحرب التي أعلنها الشّاهد على الفساد، ظلّت تراوح مكانها مكتفية بشفيق جرّاية ولم تطل الرّؤوس الكبيرة وبقيت مجرّد شعار، حيث لم تتحوّل إلى حرب فعليٍة لملاحقة شبكات الفساد في التّهريب الذي أضرّ بمعيشة المواطن وفي التّهرّب الضّريبي الذي أضرّ بالمال العمومي وما رافق ذلك كلّه من تسيّب إداري.. حتّى ساد الإعتقاد بأنّ الفساد أصبح أكبر وأقوى من الدّولة.

بات واضحا أن أمر الإنقلاب العنيف على الثّورة في تونس قد استعصى على المأجورين وعلى رعاتهم، فغيّروا من تكتيكهم وذلك عبر خطّة تقوم على:

  1. حرف الثّورة التّونسيّة عن أهدافها الحقيقيّة وجرّها إلى صراعات فوقيّة بين دجّالي السّياسة لا علاقة لها بأهداف الثورة، كالمساواة في الميراث والمثليّة الجنسيّة كمدخل لصراعات هوويّة، اشتغل الإعلام على تأجيجها على نحو ما وقع في المدرسة القرآنيّة بالرقاب.
  2. تعطيل التّنمية عبر تجفيف منابع الإقتصاد التقليديّة من خلال تعطيل الفسفاط، وتعطيل نقله عبر السّكّة الحديديّة، لينقل عبر شاحنات على ملك حيتان كبيرة، عجزت الدّولة عن الضرب على أيديهم، وقبلت بالإرتهان للجهات المانحة. وجعلت الشعب نفسه رهينة عند الفاسدين..
  3. إعلام مضلّل واصل سياسة التّضليل حتّى بعد الثّورة وذلك من خلال تلهية الرّأي العام وشغله بقضايا جانبيّة فيما يقع التّعتيم على قضايا من الحجم الكبير على نحو ما وقع في قضيّة الوردانين، التي أشعلتها شبكات التّواصل، ولولاها لظلّت نسيا منسيّا. عصابة فساد مافيوزيّة، تضمّ سياسيين وأمنيين ورجال أعمال وإعلاميين، تم ذكر بعضهم بالإسم متورّطين في جرائم خطيرة (تهريب أسلحة، رشاوى، تسفير إلى بؤر التوتّر) لا شكّ أنّ من أهدافها، إرباك الوضع الأمني بالبلاد، ومع ذلك فإن سيوف الإعلام المسلولة على المدارس القرآنيّة أضحت مشلولة في مثل هذه القضية وتعمّدت أن تجعل من مقتل شابّ بملهى ليلى على بشاعتها قضيّة رأي عام.

يأمل التونسيّون من الحكومة المرتقبة أن تجعل من محاربة الفساد والفاسدين أولويّة قصوى لإنقاذ الدّولة من سوس ينخر كيانها، ولن يكون ذلك متاحا إذا شارك فيها من تحوم حولهم شبهات فساد في التّهرّب الضّريبي وفي توظيف الإعلام والعمل الخيري لغايات حزبيّة، فلا مستقبل لأيّة حكومة مرتقبة ما لم تقدم فعليّا على محاربة الفاسدين، ولن يكون في مقدور الشّعب التونسي أن يثق بحكومة تضمّ فاسدين.. وربّما تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ ما يجب إنقاذه.

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock