تدوينات تونسية

إسطنبول: بلاغة الهزائم (هل وصلت الرّسالة ؟)

محمد المولدي الداودي

الأحزاب السياسيّة كالأجسام الحيّة تكبر وتهرم وتشيخ وقد تفنى ويصيبها ما يصيب الجسم الحيّ من وهن ومرض وعلل ولم يكن حزب العدالة والتنمية في تركيا ببعيد عن هذه القاعدة الحياتيّة بل هو أحد مظاهر تحقّقها في الواقع السياسي التركي.
الانتخابات البلديّة التركيّة أشارت إلى تحوّل “ما” تشهده الحياة الحزبيّة في تركيا ونبّهت إلى طبيعة هذا التحوّل الذي قد يكون “تراجيديا” بالنسبة لحزب العدالة والتنمية وخاصّة الرئيس أردوغان.
انشداد هذا الحزب منذ تأسيسه سنة 2001 للرئيس المؤسس أردوغان منع هذا الحزب من تنويع عناصر الانجذاب وحرمه من روافد أخرى تتجاوز مكوّنات الشخصيّة الأردوغانيّة ولذلك كان الاختزال البلاغي في تعريفه قائما على إحداث تماثل كلي بين الحزب كمؤسسة سياسيّة وأردوغان كشخصيّة سياسية وكان التفاعل بين الحزب وأردوغان تفاعلا بيّنا.
المحاولة الانقلابيّة في تركيا سنة 2016 والتي أدانتها كل أحزاب المعارضة أكّدت أن البناء الديمقراطي الوطني أضحى مشتركا تركيّا كما أنّ خطاب المدنيّة بعيدا عن الميل إلى الحكم العسكري أضحى قاسما مشتركا بين الأحزاب وبذلك لم يعد حزب أردوغان عند الناخب التركي الضامن الوحيد لمدنيّة الدولة والمحافظ على مكتسبات المسار الديمقراطي بعيدا عن إرث الانقلابات العسكريّة المخيفة ولذلك كانت قاعدة الاختلافات بين الأحزاب غير سياسيّة ولا وطنيّة وإنّما اقتصاديّة واجتماعيّة ويبدو للناخب التركي أن حزب العدالة والتنمية فقد روح الإبداع الاقتصادي والاجتماعي وأضحى خطابه الانتخابي والدعائي خطابا “تذكيريا” يذكّر الأتراك بفضل الحزب على الشعب ولكنه لا يرسم رؤى ولا يفتح آفاقا ولا يشكّل أملا يخترق واقعا اجتماعيّا واقتصاديّا صعبا.
رفض حزب الشعب الجمهوري المعارض للانقلاب العسكري الفاشل أزاح عنه مخاوف النزعة العسكريّة وبعث برسائل طمأنة للناخب التركي الذي أخذ في البحث عن خطاب اجتماعي يلامس مشكلات المجتمع وصعوبات الاقتصاد.
الخبير بالثنايا الوعرة ومسالك المهالك عليه أن يتوقف قليلا في كلّ منعرج للتثبّت والنظر والبحث عن مواضع الخطر وعناصره وغياب نزعة الحذر من خطاب حزب أردوغان أوقعه في خطأ الاطمئنان الزائف.
يبدو أن حزب أردوغان يحتاج إلى مثل هذه الصفعة والصعقة حتى يستفيق ويعيد رسم المسالك الصادقة والواثقة ويعيد تثبيت الخطو في مسارات السياسة وهي دائما مسارات تائهة ومخيفة.
ما حدث في تركيا وفي اسطنبول تحديدا يؤكّد قاعدة في التعامل الحزبي والسياسي بعيدا عن خطابات التمايز الهووي والشحن الدعائي “الوطني” نحن الآن في مرحلة “الحزب الخادم” الذي يقدّم الحلول الواقعيّة والبسيطة للأزمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
ما حدث في اسطنبول ليس نهاية “الأسطورة” -أسطورة إسطنبول- التي شكّلت بعضا من ملامح سرديّة انتصار الحزب وخرافاته ولكنه بداية الصراع الملحمي القائمة أساسا على ثنائيّة البطولة والانكسار.
قد تكون انعطافة النهاية الفاجعة وقد تكون محنة الانتصار الدائم.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: