الجمعة 4 أبريل 2025
نور الدين الختروشي
نور الدين الختروشي

الشاهد: رئيس حكومة في معطف المارد

نور الدين الختروشي
يمكن القول اننا ومنذ انتخاب رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات قد دخلنا الزمن الانتخابي في ظل تطورات مفاجئة للمشهد العام والخارطة الحزبية
َلعل أبرز تلك التطورات التي يمكن أن تلقي بظلالها على مستقبل العملية السياسية في المدى القريب هو تشكل حزب الشاهد الذي اختار له أنصاره مدينة الزعيم بورقيبة للإعلان عنه.
وبقطع النظر عن المرحبين بالمبادرة من حيث المبدأ، اي من حيث الحق الدستوري في تكوين الاحزاب والجمعيات، والمحترزين عنها أو المعارضين لها بدعاوي متعددة، أهمها خشية جزء كبير من الرأي العام من امكانية توظيف مقدرات الدولة في تأسيس الحزب. بقطع النظر عن المواقف المساندة أو المعارضة لحزب الشاهد، فالثابت أننا أمام تحول جديد في الخارطة الحزبية وموازين قوة متحركة، لعل أبرز موشراتها تقلص حضور حزب نداء تونس، وبروز طرف حزبي وازن في المشهد من جبة النداء، بل وفي مقابله، وبالضد عنه هيكليا، رغم انه “الشبيه” رؤية ومضمونا.
حزب نداء تونس الذي كان حالة إستثنائية تقترب من الشذوذ في لحظة تأسيسه ومسار تطوره وأستوائه على سوقه، كان أيضا حالة استثنائية في مسار تفككه وتحلله، سواء من جهة سرعة نسق التفكك التي واكبته، أو من جهة العبثية التي استغرقت بروز شقوقه ومشتقاته على الساحة.
الجديد مع حزب الشاهد بالمقارنة مع السابقين في مسار الانشقاقات التي عرفها حزب النداء هو جذرية رغبته في وراثة مشروع النداء،. فقد جاءت ولادته في شكل إعلان حرب تطهير شاملة ضد الحزب الأم.
الشاهد لم يختلف مع حزبه الام على آليات تسييره، او انحراف خطه السياسي، كما كانت الحالة مع مبادرات الانشقاق السابقة رغم ان شيئا من هذا قد حضر في خطاب الشاهد ومن معه في تبرير خطوة التأسيس، ولكن البارز للمتابع النابه ليوميات التهارج ومسار خروج الشاهد ان الرجل بصدد افتكاك أرث النداء أفكارا (فكرة النمط التونسي والحداثة والبورقيبية)، وموروثه السياسي (فكرة التوازن مع النهضة)، ورصيده البشري (نواب الحزب واطاراته التي ألتحقت بأجهزة الدولة). فالشاهد وان كانت خطوته من حيث الشكل تأسيسية، فهي من حيث الواقع والحقيقة عملية سطو منظمة وممنهجة على نداء تونس، وهذا في تقديري جديد مبادرة الشاهد، الذي أبدى قدرة وازنة على حسم خصومته مع نجل الرئيس، وسرعة فائقة على اعادة ترتيب توازن الساحة بعنوان موت النداء، فاذا كانت مبادرات الانشقاق السابقة على النداء قد أضعفته، فإن مبادرة الشاهد الاخيرة قد أنهت عمليا وجود النداء، وأعلنت نهايته.
ليس مهما التركيز على دور حركة النهضة في إسناد الشاهد ودعمه المباشر، أو غير المباشر، في تفسير سرعة تحول الشاهد من وزير أول لدى القصر الى رئيس حكومة كامل بصلاحيات دستورية تفوق صلاحيات الرئيس، ومن رجل النداء في القصبة الى سكين في خاصرة الحزب الذي فوضه. الأهم من كل هذا -وهو مهم- في تقديري التركيز على جرأة الشاهد لحظة رفضه لرغبة قرطاج في تغييره، واستماتته في صراعه المفتوح مع السبسي الصغير، ودفع الصراع معه الى أقاصي القطيعة الجذرية بمنطق “أنا أو أنتم”. فالرّوحية القتالية العالية والمفاجئة للشاهد كانت المحددة في تمسك النهضة به، فالنهضة التي كانت وراء بقاء الشاهد /الوزير، لا شك انها تفاجأت بالشاهد /السياسي الذي لم يكتفي بإبداء رغبته في البقاء في القصبة، بل برز كزعيم جديد طموحه يتجاوز بكثير مهمته “القصيرة” في الوصول بالقاطرة الرسمية الى محطة الانتخابات. فقد لبس الشاهد جبة الحيوان السياسي الشرس الذي يموء في داخله جوع متجدد للسلطة، ومن اجل أطفاء نهمه الباطن والظاهر للحكم، أستعمل كل المتاح السياسي للتخلص من سلطة قرار القصر اولا، ومن سلطة وصاية الحزب (النداء) ثانيا، ومن سلطة رقابة الشريك (النهضة) ثالثا.
الشاهد الذي بدأ معركته بتهشيم صورة الرئيس، واعلان الحرب على نجله، يبدو انه بصدد الإفلات الأنيق من دائرة الرقابة المعنوية التي مارستها عليه النهضة إلى وقت قريب. ولعل تجاوز الشاهد لمطلب النهضة في ان يعلن عدم نيته للترشح للانتخابات القادمة، رسالة قوية في اتجاهها بأنه بصدد صناعة مستقبله السياسي في أفق الزعامة السياسية التي لا تكتفي بالحضور في المشهد، بل الطامحة إلى تغيير معادلاته وموازين القوة المتحكمة في مآلاته.
عرفت الحالة التونسية بأستثناءاتها المتواترة، والشاهد يمثل بالنهاية حلقة في مسلسل الاستثناء التونسي، فلا أحد تصور او تنبأ بسرعة تحول الشاهد من “عجينة صلصال” في يد الرئيس ونجله، الى المهندس الجديد لمشهد حزبي وسياسي متحرك في كل الاتجاهات ومفتوح على كل الممكنات.
صحيح انه لولا اعتراض النهضة على الفصل 64 من وثيقة قرطاج، لما بقي الشاهد، وصحيح أكثر انه لولا موقعه الدستوري على رأس الجهاز الحكومي لما تشكل حوله حزام برلماني وسياسي بهذا الحجم والعمق، ولكن يجب الإقرار بالعامل الذاتي المتصل بالقدرة الشخصية على الاستفادة من معطيات الساحة المتصلة اولا باستغلال تصدع العلاقة بين النداء والنهضة عشية الانتخابات الجزئية بألمانيا، ورعونة نجل الرئيس وجنرلاته في حزب نداء تونس، وخفة الرئيس في الاستجابة لعبث الندائيين بعنوان التوافق، وحالة الترهل العام الذي أصابت حزب النداء في الاشهر الاخيرة، ومنطقة الفراغ التي برزت بتقلص تأثيره في مربع التوازن مع النهضة. هذه المؤشرات وغيرها أحسن الشاهد وفريقه إلتقاطها للمضي قدما في استراتيجية السطو الممنهج على إرث وميراث النداء وموقعه من خارطة التوازن الحزبي.
الحاصل أن الشاهد يكبر ويكبر بسرعة، ولا أحد من قرطاج الى مونبليزير مرورا بالبحيرة قادر على فرملة سرعة النسق الذي يتطور به الشاهد من رئيس حكومة مستأمن على الاستقرار السياسي وتوفير مناخ انتخابي سوي، إلى زعيم وازن ومؤهل للعب ادوار مفصلية في هندسة المشهد الانتخابي وخارطة توزيع المواقع والأدوار بعده.
قد تصحُّ مخاوف المحذرين من “ظاهرة الشاهد”، وقد تثبت بشائر المتحمسين له، ولكن ما صح الى حد اليوم ان الرجل بصدد تغيير موازين القوة بأمعانه في “قتل الاب”، وإصراره لا على هزيمة غريمه نجل الرئيس، بل على تكفين ودفن نداء تونس وَشطبه نهائيا من دائرة رسم مستقبل العملية السياسية، وهذا لن يكون بدون ثمن وبدون تداعيات على مؤشر الاستقرار السياسي وعلى المشهد السياسي الذي تهيمن عليه الحسابات الانتخابية في ظل أزمة سياسية تراوح مكانها بين مؤشرات الانفراج والتعقيد في خط دائري أصبح مملا بقدر ماهو مضرا.
الرأي العام – التونسية


اكتشاف المزيد من تدوينات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

نور الدين الختروشي

راشد الغنوشي : االشيخ الزعيم أم الأستاذ الرئيس ؟

نور الدين الختروشي  صورة عناق راشد الغنوشي والجلاصي هي ما تبقى من المؤتمر العاشر لحركة …

نور الدين الختروشي

منجي مرزوق والقطط السمان

نور الدين الختروشي كلنا منجي مرزوق على هامش معركة كسر العظام بين وزير الطاقة وبعض …

اترك تعليق