تدوينات تونسية

العميقة تنتخب القديمة

الخال عمار جماعي

“حال البلد لا يعجب”! هذه الجملة تدور على ألسنة كثيرة اليوم. جملة تراوح في نطقها بين يائس تماما وآمل في فرج قادم ومتعمّد لمزيد تثبيط العزائم !!.. هذه الجملة تتفرّع نحو رأيين: لن يصلح حال البلد إلاّ بالبديل الثوري الراديكالي أو لن يصلح حال البلد إلاّ بما صلح به “أوّلها”!!. أما الرأي الأوّل ففيه نظر لا يشغل هذه التدوينة وأمّا ثانيهما فهو مربط الفرس الآن. وعموما يبدو لي أنّ أصحاب الرأي الثاني أمضى في الواقع وأكثر تأثيرا. أولئك هم “الدولة العميقة” (البعض يحلو له تسميتها “الثورة المضادّة” !).

“الدولة العميقة” ليست مؤسسة ولا أشخاصا ولا رُتبا إدارية بل هي مزاج وسلوك. فقد لا تجد رابطا بين شحّ البنزين في الجنوب وتعطيل جرايات التقاعد واللعب في الأدوية وتكدّس المزابل في كلّ مكان والزيادة في سعر القهوة.. ولكنّك لا شكّ تلاحظ حالة من التبرّم والقلق والضيق بما يحدث وربط هذا بما جنته على النّاس “ثورة البرويطة”!!.. علمت “العميقة” أنّ هذا الشعب لا يسمع هرج السياسيين ومناكفاته (وجزء منه جدل لجنة بشرى !) وأنّه لا يتأثّر إلاّ بمعيشه اليومي فزادت في التضييق ! تتحكّم هذه “العميقة” في السوق ولا يعنيها إلا تعزيز قبضتها لهذا تمعن في قطع الطرق على كلّ انفراج ممكن حتى تدفع النّاس إلى المقارنة ! كلّ هذا تهيئة لجوّ انتخابي ملائم لعودة النوفمبريين !

كما تسعى هذه “العميقة” إلى تعطيل كلّ شيء من المحكمة الدستورية إلى رئاسة هيئة الانتخابات إلى العبث بالعمل البلدي وقد ظهر أنّه مجرّد “وضع شاشية هذا على راس هذا” وإطماع النهضويين بأنّ لهم أدوارهم الأردوغانية لتحييدهم في الصراع وتعيد للناس “جدوى الوساطات والمحسوبية” وقضاء الحاجات بالفهلوة واللعب على الحبل.. وفي المقابل إظهار كل ساع إلى إعادة الناس للحظة الثورية “ثورجيا” و”موتورا” و”عدوّا للتوافق” وداع لحرب أهلية” (طبعا لن تعوزهم الأمثلة هنا من سوريا إلى اليمن إلى ليبيا.. إلى الهوتو والتوتسي !)… هذا حال يشبه إلى حدّ بعيد الحالة المصرية قبل “الاستنجاد بالسيسي” باعتباره صورة مطابقة لحسني مبارك !!

المضحك حقا انّ فريقا عظيما من النهضويين يفكّرون -لا أدري بوعي أو بدونه- بنفس ما تفكّر بيه “العميقة” (أنظر حربهم على التيّار مثلا !!).. العميقة تسعى إلى وضع “القديمة” في الصندوق القادم وهي تبثّ في لاوعي الناس المقولة إياها: “لن يصلح حال البلد إلاّ بما صلح به أوّلها النوفمبري”! لن يكون هناك “بن عليّ ولا الطرابلسيّة” في قادم المرحلة ولكن سيكون هناك “فروخهم وطحّانتهم وعميقتهم”.. ساعتها لن يهمّ إسم الحزب ! لأنّ “القديمة” ستضحك علينا… حتى تستلقي على ظهرها.

“الخال”

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock