الإثنين , 23 سبتمبر 2019
الرئيسية / تدوينات تونسية / لماذا فشل جيل الثمانينات، وهو المتصدّي اليوم لإدارة الشأن العام ؟

لماذا فشل جيل الثمانينات، وهو المتصدّي اليوم لإدارة الشأن العام ؟

الخال عمار جماعي

عليّ أنّ أشير في سياق محاولة البحث أنّ قولي القادم هو مجرّد قراءة في حاجة لدعم أو تعديل أو نقض.. على العادة المدرسيّة في الجدل!

سبق قولنا أنّ ذاك الجيل الثمانينيّ كان يتبنّى بفائض حماسته الأفكار الكبرى ويغتبط بها. كان هوس التغيير وبناء “المدن الفاضلة” صادقا ولهذا أعدّ لها ما استطاع من كتب وفكر وأمنيات ولم يكن معه خيل فيربطها للغزوات ! لكنّهم -بدون وعي ربما- أسّسوا لتناقضات اليوم. فموضوعيّا ما يحدث من “تهارش سياسي وإيديولوجي” هو صورة منعكسة لما كان يمور في الساحات الكبرى… وأكاد أقول أنّه تهارش ينقاد بنفس خطاب التنافي والحديّة من جهة و”التحالفات المشبوهة” من جهة ثانية. يشهد على هذا ثلاثة: الساحة الحمراء بكلية 9 أفريل قبل إغلاقها و”حجرة سقراط” بكلية الحقوق ومربّع الوسط قبل أن يتسمّى اليوم “ساحة الشهيد شكري بالعيد” بكلية الآداب بمنّوبة.. والأسماء هي تلك التي ترون في التلفزات.
ماذا بقي من ذلك الجيل ؟ ولماذا “فشل” في إدارة البلاد حين تولّى أمرها ؟ علينا أن نعود بالجواب إلى طبيعة ذلك الجيل أوّلا ومرحلة “اليأس النوفمبري” ثانيا.

أوّلا : رغم ما اختزنه ذلك من الجيل من ثقافة وانفتاح وكثير من “الرومنسيّة” والنضالية أيضا إلاّ أنّه -والعبارة تعود لأدبيات النظام ساعتها- كان يعيش “داخل جزيرة معزولة” ويمارس يوطوبيا الأحلام (وهو ما يفسّر أيضا فشله في الحبّ أكثر هههه) فإذا ما سمعت خطاب أحدهم تكاد توقن أنّ الثورة غدا أو بعد غدٍ ولهذا يسرفون أصحابه في “الإسهال اللغوي” (العبارة للعميد عبد المجيد الشرفي عميد كلية الآداب في الثمانينات) الذي يصوغ قولا يدور حول نفسه. وأمام اشتداد الصراع بين التيار الإسلامي الذي بدأ في الصعود وشتات اليسار (ظهور تيارات فوضويّة وبوهيمية مثلا وفشل تجربة الـ”هنم” أي الهياكل النقابية المؤقتة) تشكّل ذلك الجيل بعقد الإنتصارات الوهميّة (مثلا انتخابات المجالس العلمية واحتفاليات بمقعد هنا أو هناك). كلّ هذا ساهم في “قصر النّظر السياسي” وغلّب التكتيكي على الإستراتيجي وظهر العدوّ عدوّا والحليف حليفا (مثلا كان اليسار مستعدّا لمحالفة الدساترة في الإنتخابات ويفضّلهم على غيرهم). طبعا كان القمع الذي يلاحق الإسلاميين يجعل الهاجس الأمني متقدّما على كلّ قضيّة وأيضا كانت حركة بقية الفصائل متاحة أكثر (طبعا لا أنفي عليهم مضايقات يتعرضون لها). هذا الوضع غير المريح هو الذي ظلّ اليوم يلاحق الجميع ويدمغ المرحلة بنوع من “الإنتقام لما مضى” وهنا يتوقّف كلّ شيء.

ثانيا : مرّ هذا الجيل بأسوإ مرحلة من اليأس في العهد النوفمبري. فقد كان تجفيف المنابع السياسية بالجامعة ضربا لها ولمكانتها ولخرّيجيها. وعلينا أن لا ننكر أنّ بن عليّ (أقصد مستشاريه ورجال دولته) يستعينون بـ”اليسار” في جهازين خطيرين : التربية والداخلية لضرب خصمه الإسلامي مستغلاّ تناقضهما. شئنا أم أبينا كان لليسار دائما رجلا في السلطة ورجلا في المعارضة -ولست أعمّم- فالأسماء والمواقع لا تحتاج أمثلة. هذا برأيي ما فوّت على البلد تقاربا ضروريا بين الفرقاء لبناء جبهة صمّاء (أستثني جبهة 18 أكتوبر التي آلت إلى الفشل) ولهذا حين قامت الثورة حدث إرتكاس سخيف لمعارك الثمانينات بكلّ بؤسها ولا يبدو لي بعد دخول العنصر “الندائي” أنها سوف تهدأ..

لم أذكر أسماء حتى لا تنحرف التدوينة لتقييم أشخاص خلافيين ولم أذكر بقية الفصائل لقلّة تأثيرها وقدّمت قراءة ذاتية بحتة حاولت أن تقف على مسافة مما حدث أو يحدث..
هذا مبلغ نظري والله أعلم

“الخال”

شاهد أيضاً

في الغضب، لا أجد روح النّكتة

الخال عمار جماعي بقدرة قادر تحوّل “اللّص” إلى مناضل بنجمة حمراء على جبينه، والمافيوزي إلى …

عبد اللّه المعياري كمحلّل استراتيجي

الخال عمار جماعي ما كان “عبد الله المعياري” ليفعل الذي فعل لولا أنّ أحدهم قد …