الثلاثاء , 19 مارس 2019
الرئيسية / تدوينات تونسية / الفساد يستهدف الطّفولة

الفساد يستهدف الطّفولة

صالح التيزاوي

ما كاد الشّعب التّونسي يفيق من هول الصّدمة، بعد مقتل أحد عشر رضيعا بسبب الإهمال والتّسيّب حتّى وجدنا أنفسنا أمام كارثة أخرى، تمثلّت في جريمة اغتصاب وتحرّش طالت عددا من أطفال مدرسة عموميّة. لم يعد الفساد قاصرا على التّهرّب والتّهريب والعبث بمعيشة المواطن، بل بات يستهدف البلاد في مستقبلها… بات يستهدف الطّفولة بكلّ وقاحة. فهل أصبح الفساد أقوى من الدّولة؟ أم أنّ الدّولة لا تقوم بما يجب
لمحاربته ومهاجمته في مرابضه؟

كيف تعاطى الإعلام مع الحادثتين؟
لئن كانت التّغطية الإعلاميّة لمقتل الأطفال الرضّع باهتة ولم ترتق إلى مستوى الفاجعة، فإنّها تكاد تكون غائبة في حادثة التّحرّش والإغتصاب. ولم تكن في مستوى التّغطية لما حدث في مدرسة تحفيظ القرآن بالرقاب. وهذا يعني أنّ الحملة على مدرسة الرقاب لم تكن بريئة ولم تكن بعيدة عن التّوظيف السّياسي على مشارف موسم انتخابي، ولم تكن بعيدة عن أجندات تستهدف مدارس تحفيظ القرآن والرّوضات القرآنيّة وتستهدف قيم المجتمع وثوابته، بحجّة أنّها “محاضن لتفريخ الإرهاب”. وقد وصل الأمر بالبعض إلى حدّ المطالبة بإجراءات غير عقلانيّة وقصوويّة مثل غلقها جميعا. ونحن هنا لا نجادل في أن تكون تلك المدارس خاضعة للقانون ولرقابة الدّولة مثل غيرها من المؤسّسات وبنفس القوْة لملاحقة كلّ مظاهر الإخلال إن وجدت.

لماذا صمتوا الآن؟
بعد إيداع المعلّم الشّاذّ الذي خان الأمانة واعتدى بالفاحشة والتّحرش بتلاميذه في بالسّجن، وفعل فعلته في غفلة من القانون ومن أوليائهم، حقّ لنا أن نتساءل :
أين تلك الأصوات التي شنّعت على مدرسة الرقاب وأثارت حولها الشّبهات؟ ألا يستحقّ ماحدث في الفضاء العمومي هبّة إعلاميّة ومجتمعيّة لحماية الطّفولة؟ وأين هم أولائك الخبراء الذين تقاطروا على المنابر الإعلاميّة للحديث عن “كارثة الرقاب”. هل وجدوا أنفسهم محرجين بسبب دعواتهم إلى التّعميم وغلق المدارس القرآنيّة وما رافق ذلك من فبركة وتضخيم ؟ وهل يمكن لعاقل أن يدعو اليوم إلى غلق المرفق العمومي بسبب سلوك مرضى لشخص شاذّ؟ وهل يمكن أن يكون هكذا سلوك شاذّ مطيّة لتشوبه المربّين وسائر العاملين بالمرفق العمومي؟
استمعت إلى أحدهم “كرونيكور” عرف بأفكاره الإستئصاليّة يقول، ردّا على من اتّهم الإعلام بالتّهويل في شأن مدرسة الرقاب والصّمت المخزي لما حدث في المدرسة العموميّة،
يقول: “لا تجوز المقارنة، هذا فضاء عموميّ، الصغيرات يروحو لديارهم ويشوفو والديهم”!!! أليس من المفروض أن تكون رقابة الدّولة للفضاء العمومي أشدّ؟ وهل الزّوبعة التي أثيرت حول مدرسة الرقاب بسبب مبيت التّلاميذ وظروف إقامتهم بالمدرسة؟ إن كان الأمر كذاك، فالحلّ سهل، تطبيق قوانين الدّولة في مثل هذه الحالة. أم أنّ المشكلة الأساسيّة لهؤلاء مع تحفيظ القرآن استجابة لأفكار بالية، تقاتل من أجل إخراج القيم من حياة النّاس وترى في إدراج آية من الذّكر الحكيم في امتحان الفيزياء أمرا أشدّ خطرورة على الطّفولة من الإغتصاب الجنسي،!! من أيّ ملّة هؤلاء ؟! أخبرونا ما دينكم؟ وما رهطكم؟ وما هي موازينكم في الرّفض والقبول؟ إنّه لأمر غريب أن يكون أحدهم لينينيّا، ستالينيّا، ماويّا، خوجيّا… وصبايحيّا، ثمّ يتحدّث عن “ثقافة وطنيّة”!

لماذا إلغاء التّظاهرات الإحتفاليّة؟
أعلنت وزارة المرأة والأسرة والطّفولة إلغاء جميع مظاهر الإحتفال بعيد الطّفولة لهذا العام والمبرمج في الأسبوع الأخير من شهر مارس. صحيح أنّ حجم الإنتهاكات مفزع وأنّ الحصيلة ثقيلة، ولكنّ ذلك لا يبرّر الإلغاء. بل كان من المفروض أن ينخرط المجتمع والدّولة وكلّ الهياكل المعنيّة بالطّفولة في تظاهرات أقوى ممّا سبق، حتّى لا يشعر الفاسدون أنّهم انتصروا على المجتمع وعلى الدّولة، وحتّى لا تعطي الدّولة لمواطنيها الإنطباع بأنّها انهزمت أمام سطوة الفساد وبأنّها عاجزة عن مقاومته… فتلك نكبة ليس بعدها نكبة.

شاهد أيضاً

مسيلمة مصر وسجاح الموسي

صالح التيزاوي بدأت حكاية مسيلمة بكذبة، عندما ادّعى النّبوّة فصدّقه سفهاء من قومه وجاءهم بكلام ...

“الجمعة الحزينة”

صالح التيزاوي قصف على غزّة ومجزرة فى نيوزيلندا. نام المسلمون ليلة الأمس على أخبار غارات ...