السبت , 19 يناير 2019
الرئيسية / مقالات / محاضن السيادة… بين التهميش والإرتجال

محاضن السيادة… بين التهميش والإرتجال

بشير ذياب

يخطىء من يظن أن وزارات السيادة هي الدفاع والداخلية والأمن والعدل، هذه الوزارات هي وزارات المحافظة على السيادة وحمايتها وصيانتها، أما وزارات إنتاج السيادة وصناعتها فإنها لا تذكر عند الحديث عن السيادة الوطنية، أو روح المواطنة، والسلوك الحضاري، وقيم التسامح والتضامن، والسلم الأهلي، وصيانة الجبهة الداخلية… وهي كلها عناصر مكوّنة لإستقلال وسيادة القرار الوطني، هذه الوزارات بقدر ما تٌهمّش في صياغة السياسات الداخلية للدول الضعيفة والمتخلفة مثل بلادنا، بقدر ما تركّز عليها الدول القوية لتكريس هيمنتها وبث ثقافتها وتركيزها، أو تركيز ثقافة تمييعية للشعوب المتخلفة تفصلها عن واقعها الحضاري والثقافي في سياقاته التاريخية، هذه الوزارات هي وزارة التربية، وزارة الثقافة، وزارة المرأة والأسرة والطفولة، وزارة الشباب والرياضة، ووزارة الشؤون الدينية.

تعرضت في مقال سابق لثقافة الثورة، ووجوب تمليكها للعامة، هذه المرة سنتحدث عن البرنامج السياسي والإقتصادي للأحزاب والحكومات وآليات تنزيلها على أرض الواقع، والأحزاب السياسية هي المرجعية الأساس في صياغة برامج الحكم بشقيها المادي المتمثل في الإقتصاد والنقل والصحة والتجارة وغيرها والمعنوي أو الفكري أو الذهني المتمثل في التعليم والثقافة والتدين… والذي يمثل النور الذي يضيء الجانب المادي من الحياة الإجتماعية، وهو الوقود الذي تشتغل من خلاله محركات المؤسسات العمومية والخاصة على غرار الإدارات والمستشفيات والثكنات وغيرها.

بالرجوع للبرنامج الإنتخابي للحزبين الكبيرين في البلاد فإن برنامج نداء تونس يتضمن أربعة نقاط أساسية، وهي النمو والتشغيل، التنمية الشاملة جهويا ومحليا، التنمية المستدامة للثروات الطبيعية، التحصين الأخلاقي في إدارة الشأن العام ويقصد به الفساد الإداري، أما بالنسبة لحركة النهضة فكان برنامجها في المجالين الإقتصادي والإجتماعي يرتكز أساسا على إصلاح الإدارة، إصلاح مجال الإستثمار، الإصلاح الجبائي، الإصلاح البنكي، دعم البرامج الجهوية للتنمية، ترشيد النفقات العمومية، ضبط آليات المراقبة والشفافية، وترشيد الدعم.

في كلا البرنامجين هناك غياب تام لبرنامج سياسي لمجالات التدين والتعليم والثقافة والطفولة والشباب، وأمام الحالة التي نحن عليها اليوم في المجالات التي إرتكزت عليها برامجهم الإنتخابية فإننا يمكن أن نتفهّم بالتالي إرتجالهم في تسيير بقية المجالات التي نتحدّث عنها والغياب التام للبرامج الإستراتيجية التي يفترض أن تتماشى مع ما ورد في الدستور الذي منحت من أجله بل من أجل مدنيته جائزة نوبل للسلام.
حين نتحدث عن فساد الإدارة، والعنف الأسري والعنف المدرسي، والفساد الأخلاقي والجريمة المنظمة وغير المنظمة والإرهاب الطبيعي والمصنع، والتهريب…، هذه الآفات الإجتماعية التي تهدّد أمن البلاد والعباد وتهدد مستقبل البلاد على جميع الأصعدة السياسية والإقتصادية والإجتماعية المادّية منها والمعنوية، تمثل ضربا حقيقيا لسيادة الدولة ولا يمكن التصدي لها ومعالجتها لا عسكريا ولا أمنيا ولا بسياسة خارجية أو غيرها بل تعالج عبر التعليم والثقافة ورعاية الأسرة والطفولة والشباب وهي وزارات محاضن السيادة الحقيقية للمجتمع التي يفترض أن تنزّل بواسطتها السياسات، وهنا يمكن أن نتساءل عن الجدوى من هذه الجيوش من الموظفين في هذه الوزارات المحاضن، ما يزيد عن 18000 موظف في وزارة الشؤون الدينية، وأكثر من 7000 موظف في وزارة الثقافة وقد يكون مثلها في وزارة المرأة والأسرة، إستنزاف ممنهج لأموال الدولة.
يفترض أن يرسم لهذه الوزارات سياسات إستراتيجية تحافظ على كيان الشعب وتجذّره في هويته وقيمه الدينية الحضارية العربية الإسلامية مع الإنفتاح الإيجابي على كل ما هو حضارة إنسانية شرقية كانت أو غربية، فالإنفتاح على الحضارة الغربية لا يعني أن نفتح نوافذنا على مزابل الغرب كما أن المحافظة على الهوية لا تعني بالضرورة التقوقع على الذات والتشبث العمى بأحكام تجاوزها الإطار الزماني والمكاني، وهنا فقط يمكن للنخب الوطنية البحث عن أساليب وبرامج تمكننا من بناء السيادة الوطنية.

ختاما أقول أن قوة الأحزب السياسية ليست في القدرة على الوصول للحكم، بل في برنامج الحكم الذي لا يجب أن يختصر في نسبة النمو الإقتصادي الذي لن يتحقق أبدا بأجيال خاوية على عروشها روحيا وفكريا ومنبتّتة تماما عن أصولها وحضارتها وهويّتها، فالدول التي حصلت فيها طفرة إقتصادية مثل الصين أو اليابان أو ماليزيا أو الهند أو تركيا أو إيران لم تنصهر في الحضارة الغربية كي تحقق هذه الطفرة، بل حققتها عندما تصالحت مع هويتها وجعلت من لغتها الأم لغة العلم والتكنولوجيا، وهو ما لا يمكن تحقيقه ما دامت السلطة هي الغاية من الإنخراط في الشأن السياسي وليست الوسيلة لتحقيق التقدم والرقي طبقا لبرامج إستراتيجية تسوس وزارات محاضن السيادة.

شاهد أيضاً

متى يستفيق أهل الكهف

بشير ذياب اليوم وأمام هذا التشتت الذهني الذي نعيشه كتونسيين أو كعرب عموما، يبدو أننا ...

الحضارة الغربية… المرعى أخضر ولكن العنزة مريضة 2/2

بشير ذياب يمكن أن نسأل اليوم ونحن في حياة سياسية وإجتماعية وفكرية متحركة، تبحث فيها ...