الأحد ، 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / بعد تفجير “حصنه الرمزي” بجامع النوري والمئذنة الحدباء: هل هي نهاية لـ “داعش” أم نهاية للموصل وللعراق معا ؟

بعد تفجير “حصنه الرمزي” بجامع النوري والمئذنة الحدباء: هل هي نهاية لـ “داعش” أم نهاية للموصل وللعراق معا ؟

لطفي الراجحي

“ما سلم من التتار لم يسلم من داعش… “هكذا علق بعض الموصليين على التفجير البربري الذي طال الجامع النوري والمئذنة الحدباء. لقد اعتاد العراق طيلة تاريخه على نهج التدمير والحرق كي تنال من شخصيته وهويته الفكرية والثقافية ليتكرر المشهد على أيدي برابرة القرن الواحد والعشرين “داعش” بدعوى أن تلك الآثار تحمل مضامين أدبية وشعرية وعلمية ودينية مختلفة عما وصفوه بـ “الشرعية” فتنسف بموجب ذلك ارث بلد عريق وغني بالمعالم والآثار التاريخية ودور العبادة وتقضي على حضاراته التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين.

لقد أقدم عناصر تنظيم “داعش” على تفجير مسجد النوري التاريخي ومئذنة الحدباء التاريخية في الموصل وهي جريمة تاريخية أخرى تضاف إلى سلسلة جرائمه وقد كان آخرها حرق مكتبة الموصل وهي أهم ثروة معرفية احتوتها المكتبة المركزية لجامعة الموصل إضافة إلى مكتبة أشور بانيبال داخلها وتحتوي كنوز من الكتب عن الآثار والتراث العراقي وتراث الموصل تحديدا.

“الجامع النوري” أو “الجامع الكبير” أو “جامع النوري الكبير” ابرز مساجد العراق التاريخية بناه مؤسس الدولة الزنكية الأمير نور الدين محمود زنكي في عام 1173م بمدينة الموصل وسمي الكبير لسعته وفخامة بنائه واشتُهر أيضاً بمنارته الحدباء ظل صامداً ما يقارب 844 عاماً ونجا من غزو المغول إلا أنه لم يسلم من تنظيم داعش بالرغم ما امتلكه التتار والمغول من قدرة على الفتك والوحشية في التخريب.

بعد التتار لم تعرف الإنسانية ما هو أكثر وحشية فى القتل والتخريب والتدمير من تنظيم داعش فى عصرنا الحديث فهو أشد ضراوة ووحشية من التتار والمغول تتبع فكرًا مقيتًا يحرق كل ما هو أمامها من إنسان أو جماد. انه تنظيم يستحل دماء البشر بدوافع دينية مبتدعة فذبح الإنسان كما تذبح الأنعام وتتلقف أرجل مقاتليه رؤوس ضحاياه. العصابات تذبح أبناء الموصل والعالم في غفوة. فلا فرق بينهم وبين التتار الذين بنوا بيوتهم من جماجم ضحاياهم وشربوا فيها الخمر واليوم يطمس التنظيم التاريخ ويهدم الحضارات باسم الإسلام الذي أتى صانعًا للحضارات لا هادمًا لها. فبعدما أقدمت جرافاته على تجريف العاصمة الآشورية للملك النمرود يقدم التنظيم مجددا على تحطيم وسحق أعمال فنية قديمة في متحف الموصل وتدمير ضريح النبي يونس في ذات المدينة وضريح الإمام النووي وعديد المساجد والأضرحة على أساس أنها تشجع الشرك فطالما اعتبر التنظيم المعالم الدينية قبل الإسلام وتحديدًا التماثيل بمثابة “أصنام” تعارض معتقداتهم ما دفعه إلى تحطيم مواقع أثرية عدة كمعبد بعل شمين وهو المعبد الأهم فى المدينة الأثرية بعد معبد بعل وفخخه بكمية كبيرة من المتفجرات قبل أن يفجره وتم تدمير جزء كبير من المعبد في مدينة نمرود. كما عمد إلى جرف مدينة الحضر التي تعود إلى الحقبة الرومانية قبل أكثر من ألفى عام ودمر آثار متحف الموصل فى شمال العراق. فكيف يحق له استباحة المعالم الإسلامية وهو الذي يدعي نصرتها؟ لقد تعرض تمثال صاحب ديوان “الحماسة” للتدمير أياما فقط من سيطرة التنظيم على الموصل كما تعرض “مرقد الأربعين” فى مدينة تكريت للتفجير وكان المرقد يضم رفات 40 جنديًا من جيش الخليفة عمر بن الخطاب خلال الفتح الإسلامي وفجر التنظيم مسجد السلطان ويس التاريخى وسط مدينة الموصل شمالى العراق بحجة أنه قائم على أرض فيها قبور.

وتعرضت الكنيسة الخضراء للتدمير عام 2014 وهى كنيسة كبيرة تعود إلى نحو 1300 عام فى تكريت كبرى مدن محافظة صلاح الدين شمالى بغداد. وكانت مسرحًا لمجزرة تعرض لها المسيحيون على يد المغول خلال العام 1258.

ودمر مسلحو داعش الآثار الآشورية التاريخية فى متحف الموصل باستخدام المطارق وأدوات الحفر للقضاء على عدة تماثيل ضخمة من بينها تمثال لثور آشوري مجنح يعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد.

لقد حطم التنظيم تماثيل ومنحوتات في متحف المدينة حيث توجد قطع أثرية لا تقدر بثمن وتعود للحقبتين الآشورية والهلنستية قبل ثلاثة آلاف عام. وهاجم ا أطلال مدينة نمرود الآشورية جنوبي الموصل بالجرافات يحدث كل ذلك امام انظار العالم وادعياء الحضارة.

إن عدم وجود استجابة دولية قوية على هجمات داعش السابقة على المواقع الأثرية في العراق شجع الجماعة المتشددة على مواصلة حملتها. وساهم التواطؤ العربي والتباطؤ الدولي بتشجيع التنظيم على إقتراف جرائم مضاعفة.

وأظهر تسجيل مصور إسقاط تماثيل ومنحوتات من قواعدها الحجرية في متحف الموصل وتحطيمها بالمطارق. فضلا عما الحقه من ضرر بتمثال ضخم لثور عند بوابة نركال المؤدية إلى مدينة نينوى. ويتبنى التنظيم تفسيرا متشددا للإسلام ويرفض المراقد الدينية من أي نوع ويتهم الغالبية الشيعية في العراق بالكفر. ودمر التنظيم مرقد النبي يونس في الموصل. وهاجم أيضا مناطق عبادة للشيعة وفي العام الماضي منح المسيحيون في الموصل مهلة إما لاعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو مواجهة الموت بالسيف. واستهدف التنظيم أيضا الأقلية اليزيدية في جبل سنجار إلى الغرب من الموصل.

حجم الدمار لحق بمدينة نمرود الأثرية في العراق بعد قيام التنظيم بتجريف المدينة التي تعد جوهرة الحضارة الأشورية. ويضم الموقع الاثري بها نقوشا مذهلة وتماثيل مجنحة برؤوس بشرية.

إن الوحشية تطال الأشخاص والتاريخ والذاكرة والثقافة. إن ما يريده هؤلاء هو تدمير كل أوجه الإنسانية. السعي إلى تدمير كل الذين يحملون رسالة ثقافة. المسجد النوري التاريخي والمئذنة الحدباء: سلما من هولاكو وجنكيس خان لتمتد إليه أيدي “داعش”. إن تدمير القطع الأثرية لا “أسانيد شرعية” له فالتنظيم يعتمد في ذلك على الآراء “الشاذة والواهية والمضللة”. “فالحفاظ على التراث” أمر لا يحرمه الدين “وأكدت دار الإفتاء العراقية في بيان أن “الآراء الشاذة التي اعتمد عليها “داعش” في هدم الآثار واهية ومضللة ولا تستند إلى أسانيد شرعية”. وأوضحت أن “الصحابة جاءوا إلى كل الأمصار إبان الفتح الإسلامي ووجدوا معالم أثرية رائدة فما نالوا منها وما اعتبروها يوما خطرا على الرسالة التي حملوا لواءها في المغرب والمشرق”؟. فعلى أي فقه استند داعش لتنفيذ جرائمه وتنويعها بين النحر والحرق والرجم والاغتصاب وغيرها من طرق التعذيب الأخرى التي اشتهر بها ليسعى عبرها إلى نشر الدمار وتشويه صورة الإسلام في العالم بمختلف الطرق والأساليب الإجرامية من اجل طمس وتغيب الحقائق وقتل الحضارة والتاريخ الإنساني ؟ انها خطة مدروسة ومعدة مسبقاً من قبل جهات ودول كبيرة تسعى إلى تغيير بعض الحقائق التاريخية المهمة في هذا البلد وفي غيره من البلدان الأخرى في خطوة مشابهة وهي خطوة متممة لما أعقب احتلال العراق في 2003 حين فقد الكثير من الآثار والمخطوطات والكنوز التاريخية وتعرض ما يقارب على 15 ألف موقع أثري للسرقة والنهب والتدمير بالإضافة إلى تعرض المتحف العراقي الوطني في بغداد إلى أكبر عملية سرقة آثار في التاريخ، وتم تهريب أكثر من 220 ألف قطعة أثرية ومخطوطة تاريخية مهمة كانت وبشكل مباشر تحت حماية قوات الاحتلال الأمريكي. هذه الأعمال ليست مدعاة للدهشة لأنها تعود بنا إلى جوهر.

المشروع الاستعماري المدمر والمشروع السلفي المنغلق وقد روجا لثقافة المحق التام. لكن هل هذا يعني تجاهل الدور المركزي الذي تلعبه التبريرات من هذا النوع ؟ هل نتجاهل تلك البيئة الإيديولوجية و السياسية التي يأتي منها “داعش” ونظراؤه المتنقلون؟.

شاهد أيضاً

الحريّة من جديد… عن الحرية والفنّ والأخلاق

نور الدين الغيلوفي 1. من مزايا الثورة أنّ المجتمع صار قادرا على البوح بأسراره وفضح ...

اترك رد