الجمعة ، 24 نوفمبر 2017
الرئيسية / تدوينات / مقالات / أسفاري واللغات الحية (15)

أسفاري واللغات الحية (15)

أحمد القاري

اتضح لي بعد أيام من التجوال في شين جين أن إنجاز مشتريات يحتاج إلى مساعدة من شخص يعرف البلد و يحسن لغته.
وهي خدمة توفرت في الصين مع انفتاحها على العالم وتحولها إلى وجهة للتجار من كل العالم.
فتح الصينيون والأجانب من كل الجنسيات مكاتب خدمات تساعد الشركات والتجار على الوصول لمصادر السلع وتتابع الإنتاج وتقوم بمراقبة الجودة والتسليم والشحن وإعداد الوثائق المطلوبة للتصدير.

التقيت (هان) وهو شاب من إقليم خونان في مطعم فقدم نفسه كمترجم ومنسق تجاري. وبدأنا جولتنا في الأسواق.
كان يبدأ بالبحث في موقع (علي بابا) وغيره من المواقع التجارية الصينية وينسق زياراتنا لمصانع أو محلات بحيث كنا نتحرك في الصباح الباكر ولا نعود إلا آخر الليل.
المصانع الصغيرة لم تكن تتوفر على من يتحدث لغة غير الصينية. والمصانع المتوسطة والكبرى والمشتغلة في التصدير لديها عادة بائعون شباب يتكلمون الإنجليزية أو لغات البلدان المستهدفة بالتصدير.
ولكن لم ألتق خلال تلك الرحلة أي رب عمل أو تقني يتكلم غير الصينية.
المحاسبة والفواتير وتدوين الملاحظات والعمل الإداري كله صيني بحت. ويتم ترجمة الفواتير لفائدة الزبائن الأجانب حسب الحاجة. وربما تكون ترجمة غامضة وكثيرا ما تعتمد على الترجمة الآلية.
الكل يستخدم برمجيات صينية. وتعليمات التقنيين والتوجيهات على جدران المصانع وتوجيهات الأمان وغيرها من المعلومات بالصينية وحدها.
هنا سأنتبه إلى أن المعلوميات ليست بالضرورة بالفرنسية كما حاولوا أن يقنعونا في المغرب.

مرة طلبت من تقني إصلاح عطب في جهاز كمبيوتر يعمل بواجهة عربية، فقال “ما عنديش مع ديك أنقر”. يظن المسكين أن كل العالم يشتغل بـ “كليكي”. و هكذا أوهموه في المعهد المتخصص للتكنلوجيا حيث درس. استبعاد العربية عندهم نوع من الرقي.
(هان) من إقليم (خونان) وهو إقليم شمال (شين جين) وإليه ينتمي (ماو تسي تونغ). وأهله مشهورون بأنهم موظفون جيدون ومخلصون. وأن فيهم سذاجة. بعكس ما يعرف به أهل إقليم (خنان) شمالهم من مكر وكيد. وعموما تجد أقاليم الصين ومدنها وقراها تشتهر بأوصاف يعممونها على بعضهم بدون أي دليل علمي طبعا.
كان (هان) حديث عهد بالبادية. وقد جاء إلى شين جين مثل مئات الآلاف من الشباب بحثا عن فرصة للعمل وتحقيق الثروة. كان التفاؤل والحماس للعمل صفة طاغية على السنوات بين 2005 و 2008 فالكل مؤمن بأن لديه فرصة في الاستفادة من صعود الصين كمصدر أساسي لكل أنواع التجارة.
متابعة حديث (هان) مع أصحاب المحلات وترجمته الهاوية شيء ممتع. كنت أحاول تبين أصوات اللغة الصينية وتقليدها ولكن مع قليل من النجاح. أسمع الكلمة فأنطقها فيقولون إنها غير مفهومة وإنهم ما نطقوها قط. والسبب كان في النبرات التي لا عهد لي بها. أي خطأ في النبرات يفقد الكلمة معناها أو يحولها إلى معنى آخر قد يكون مناقضا تماما. وربما محرجا.

تطلب عملنا الجولان في ضواحي شين جين والمدن القريبة منها. أثار انتباهي البنية التحتية الهائلة للوجيستيك. شين جين كانت محاطة بثلاث موانئ، يختار التاجر أو شركة الشحن أقربها إليها لتوجيه الحاوية. والنقل البري متوفر. ومحطات شحن السلع واسعة ومجهزة بحيث يكون التجميع سهلا وسريعا وآمنا.
شركات النقل منتشرة في الصين وتعمل بأسعار معقولة وسرعة كبيرة. وبفضلها يتم تجميع السلع من مناطق مختلفة في بلد مساحته كبيرة جدا. والصناعة تتوزع على مناطقه حيث تجد كل نوع من الإنتاج تتركز في منطقة أو إقليم بحسب سياسة الحكومات المحلية، والدعم الذي تقدمه لصناعة محددة.
استغربت أيضا لمساحات المصانع والمحلات والتي تتسم بأنها في الغالب واسعة كبيرة. مما يخالف الصورة النمطية للمساحات الصغيرة والازدحام الشديد المرتبطة في أذهاننا بالصين.
بعض المصانع كبيرة كأنها حي مستقل بمباني عديدة يتوزع فيها الانتاج والتخزين والإدارة وسكن العمال.
والصينيون محبون للفخامة ويحاولون إعطاء انطباع جيد للزبون والزائر. ويذهبون في ذلك إلى أبعد مدى. بل ربما لجؤوا إلى الحيلة والتمثيل. ولذلك ظهرت في السنين الأخيرة مهنة ممثلين من الأجانب يتم استدعاؤهم ليظهروا أمام زبون حقيقي محتمل كأنهم زبائن قدماء للمصنع أو جزء من فريقه الإداري. وذلك للتأثير على الزبون ودفعه للثقة وإتمام الصفقة بدون تردد.

#لغات_حية 15
الجولة رفقة (هان)

شاهد أيضاً

قتَلَتْنا الردّة يا مولاي..

زهير إسماعيل عُرف عن التيار الإسلامي في الحركة الطلابيّة، في تونس، نقده المبكّر للفكر الإخواني ...

اترك رد