الأربعاء 8 أبريل 2026
سامي براهم
سامي براهم

من يخشون أن يؤدّي انتصار إيران إلى ابتلاع العرب

سامي براهم 

لطالما انتقدنا سياسات إيران وحلفائها في المنطقة منذ انحيازها لنظام القتل والإبادة في سوريا … وجلب لنا ذلك المسبّات والاتّهامات والتّهديد من الموالين لها … لكنّنا لم ننخرط يوما في ردود الفعل العدائيّة والمعارك الطّائفيّة والمذهبيّة والعرقيّة …

ايران
ايران

هذا ما يجعلنا نعبّر اليوم عن اشمئزازنا من حالة الهوس التي تصيب جمهورا واسعا من أعداء إيران من العرب انخرط فيه الدّعاة والوعّاظ وعلماء السّلاطين وبعض المحسوبين على الخبراء والنّخب والأكاديميّين … هوس لا يقلّ عبثيّة عمّا يصدر عن ترامب وحليفه النّتن من خطاب عدوانيّ وصل حدّ التّهديد بمسح حضارة بأكملها من وجه الأرض …

لقد عاشرت طيلة حياتي المدرسيّة والجامعيّة والبحثيّة آلاف الصّفحات من كتب التّراث من مختلف العلوم والمعارف وفنون الجدل ورأيت كيف يتقاذف بعضها حكم التّفسيق والتّبديع والتّكفير … ولكنّها في مجملها لم تخرج فرقة من الفرق الكبرى بالكليّة من دائرة الإسلام ولا شعبا من شعوب دار الإسلام من دائرة حضارته ومجاله الثّقافي رغم كلّ الصّراعات التي اكتست في عدد من السّياقات طابعا دمويّا.

ظلّت الدّولة الأمويّة في الضّمير العامّ مسلمة وكذا العباسيّة والفاطميّة والعثمانيّة والصّفويّة وما انشقّ عنها وتفرّع على امتداد التّاريخ والجغرافيا … وظلّت كتب الكلام والفقه وأصوله تعجّ بالمناظرات والجدل بين مختلف المدارس والمذاهب وتيّارات الفكر والعقائد والملل والنّحل …

يريد البعض اليوم بسبب سياسات النّظام الإيراني إخراج إيران الشّيعيّة من المجال الإسلامي … وإخراج التشيّع من مدارس الإسلام بسبب من طرأ عليه راهنا من غلوّ في الشّعائر وتنطّع في الخطابات المنبريّة وإمعان في سياسات التّبشير …

هوس قائم على خلطة عجيبة هجينة تلتقي فيها مرجعيّات ومصالح متناقضة تشترك جميعها في نفي أيّ معطى يمكن أن يجعل المتابع العربيّ يقف مع إيران ضدّ العدوان الغاشم الذي تتعرّض له …

المفارقة أنّ الوقوف مع إيران أو الوقوف مع العدوان لن يزيدها أو ينقصها شيئا … فالعرب شعوبا وحكّاما خارج مجال التّأثير السّياسي … شعوب مضطهدة ترزح تحت نير الاستبداد والفقر وحكّام تابعون لا حول لهم ولا قوّة … والمجال العربي في حالة فراغ جيوسياسي استراتيجي يجعله مطمعا للنّهب والسّلب والابتزاز والتوسّع والتمدّد والسّيطرة والهيمنة، وتحوّله إلى حلبة صراع دوليّ فوق أرضه …

لم يكن العرب يوما في تاريخهم أمّة موحّدة إلّا في ظلّ المرجعيّة السّياسيّة والثّقافيّة للإسلام الذي جمع مختلف الأمم والأعراق واللّغات والثّقافات تحت رايته … ولم يهنوا إلّا بتفكيك أوصالهم في ظلّ ما سمّي زيفا بالثّورة العربيّة الكبرى التي كانت بتخطيط الدّوائر الاستعماريّة … وأفضت إلى تنفيذ خطّة سايكس بيكو التي قسّمت خريطتهم بالمسطرة والبركار وفق مصالح الدّول الاستعماريّة … وليس الشّرق الأوسط الجديد الذي يقع التّرتيب له إلّا سايكس بيكو جديد … سيسجّل يوما باسم جديد “ترامب نتن” تكون فيه الدّولة العبريّة الكبرى المنتظرة سيّدة المنطقة، وبقيّة دول المنطقة وشعوبها خدما لها ولشعبها تنفيذا لنبوءات الهوس التّوراتي … وستكون مواردها نهبا لها لحليفتها تجسيدا لمنطق القوّة والتفوّق العرقي وصراع الثّقافات ونبوءة نهاية التّاريخ والإنسان الأخير …

من يخشون أن يؤدّي انتصار إيران أو صمود نظامها إلى ابتلاع العرب عليهم أن يعوا أنّ العرب دون رؤية استراتيجيّة ومشروع نهضة جامع لقمة سائغة للبالعين وأنّ أقوى ردّ على أيّ خطر يتهدّدهم لا يقوم على الانتصار بخطر على خطر بل ببناء الشّروط الذّاتيّة للحصانة والمناعة والسّيادة ليكونوا أمّة حرّة بين الأمم مقابل الكيانات الوظيفيّة المستنبتة وثكتات التحكّم ودول التّجزئة والانقسام …

لطالما تغنّينا في الكشفيّة بالوطن العربيّ وأمّة العرب المتخيّلة ولا نزال نعيش على حلم تحقّقها الذي يترصّده المجهضون من كلّ حدب وصوب …

منذ قرن أنشد خليل مطران مستنهضا العرب في قصيدته “يا أمّة العرب”:
دَاعٍ إلى العَهْدِ الجَدِيد دَعاكِ *** فاسْتأنِفِي في الخافقَين عُــــلاكِ
يا أمَّة العَرَبِ التِي هِي أُمُّنـا *** أيّ الفَخـَــــــــــار نَمَيْتِه ونَمَـــــاكِ؟
يَمْضِي الزَّمَانُ وَتَنْقَضِي أَحْداثُهُ *** وَهَواكِ منَّا فِي القُلُوبِ هَوَاكِ


اكتشاف المزيد من تدوينات

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

سامي براهم

حول تجربة العدالة الانتقالية.. عجيب أمركم أيّها التّوانسة !!!

سامي براهم  تواصل معي أحد النّاشطين السّوريّين لطرح أسئلة حول تجربة العدالة الانتقالية في تونس …

سامي براهم

الذكاء الاصطناعي بين المصنوع والمفكر

سامي براهم  تلخيص الذكاء الاصطناعي لحوار مطوّل دار بيننا… والطّريف استعماله لنون الجماعة “نحن” فيما …

اترك تعليق