تدوينات تونسية

من دروس الإبادة: الديمقراطية أم المقاومة؟

أحمد الغيلوفي

لعل احد بركات طوفان الأقصى هو أنه قام بحل المُعضلة القديمة: أيهما أولى المقاومة أم الديمقراطية؟ ما نراه أمام أعيننا يجيب عن السؤال: نُصرة الشعوب الحرة لغزَة وضغطها المتواصل على حكوماتها طيلة اكثر من خمس اشهر، في مقابل خوف وعجز الشارع العربي عن التأثير، حيث لم تخرج مظاهرة واحدة في السعودية والإمارات والبحرين، أما في مصر حيث يسكن اكثر من مائة مليون نسمة فقد خرجت مظاهرة واحدة بطلب من العسكر.

الديمقراطية أم المقاومة
الديمقراطية أم المقاومة

لقد اتضحت الحقيقة التالية: أن تأجيل مطلب الديمقراطية بتعلّات استشراقية من قبيل “العرب لا يناسبهم إلا الاستبداد الشرقي”، أو أن مطلب الديمقراطية مؤامرة ضد أنظمة الحكم العربية “لتفتيت المُفتت” وإضعاف قدرة هده الأنظمة على مواجهة “إسرائيل”، لقد تبيّن خلال هده المحنة أن هده الآراء والشعارات ماهي إلا حيل وأكاذيب لاستدامة عمر أنظمة حكم مصير اغلبها مربوط بمصير دولة الاحتلال، وهي أيضا أكاذيب صهيونية وغربية هدفها تكبيل إرادة الإنسان العربي ووضعه دائما تحت سلطة استبدادية مُتَحكّم فيها من الخارج.

أيهما اصلح واجدى في الصراع من اجل تحرير فلسطين: سُلط ضعيفة ومواطنين أقوياء أم سُلط استبدادية ورعايا مسحوقين؟ أيهما انفع لفلسطين: أنظمة ديمقراطية وحُكام يخافون شعوبهم أم حكام أقوياء على شعوبهم ضعفاء تجاه “إسرائيل” والغرب؟

لنجيب عن هده الأسئلة علينا ملاحظة التالي: بيّن طوفان الأقصى أن هناك تناسب عكسي يحكم عملية انخراط القوى الشعبية في المعركة: كلّما ضعفت السلطة في مكان ما كلّما ارتفعت، كمّا ونوعا، مشاركة الناس في المعركة. فغزة، المّتحررة من كل سلطة عربية هي من تقاوم الآن طيلة ستة شهور، وهو امر لم تستطع أي دولة عربية القيام به طيلة اكثر من سبعين سنة، وحزب الله واليمن والحشد الشعبي في العراق يشاركون فعلا في القتال ويدفعون الشهداء، أما الأردن التي يشكل الفلسطينيون 40% من السكان فلم يتجاوز جُهد الناس فيها اكثر من القيام بمظاهرات، ولم يستطيعوا إيقاف الطريق البري الذي يمد العدو بالمؤونة. أما الشعب المصري فقد سُمحَ له بمظاهرة واحدة، وعجز عن فتح معبر رفح. وعلينا أن نتصور مادا يمكن أن يحدث لو كانت هناك ديمقراطية وحياة سياسية في كل من مصر والسعودية والأردن.

من العجيب أن تكون الأجيال السابقة، التي عايشت النكبة و56 و67 وحرب أكتوبر، قد تفطنت أن الدولة العربية، مهما كانت ممانعتها، عاجزة على تحرير فلسطين، ودلك بحكم الالتزامات التي تقع عليها بحكم أنها عضو في منتظم دولي، شأنها شأن “إسرائيل” بما هي دولة مُعترف بها. وتفطنوا أيضا أن الأرض لا يمكن أن تتحرر إلا بالعمل الفدائي والمقاومة الشعبية، وهذا يشترط أن تكون أنظمة الحكم، في دول الطوق على الأقل، أنظمة تحترم شعوبها وتخاف عقابها عبر صناديق الاقتراع، فتُسهّلُ عمليات التسلل والتسليح، وتُغمضُ عينها على من يذهب للقتال، تماما مثلما فعلت الكثير من الدول الغربية خلال الحرب الأهلية الإسبانية، أو خلال عمليات التطوع ضد الوجود النازي في فرنسا وإيطاليا.

الديمقراطية أم المقاومة إذن؟ علينا أن نعمل من أجلهما معا وفي الآن نفسه: كل شبر تحرره المقاومة يدخل في موازين الانتصار في معركة التحرر من الهيمنة الخارجية، وكل مكسب ديمقراطية هو انتصار على قوى الهيمنة الداخلية المتحالفة مع الأعداء. علينا أن نكُف عن الخلط المُتعمّد بين أنظمة الحكم القائمة وفكرة الدولة، وعلينا أن نعي أن أشكال الحكم القائمة لا ترتقي لا الى درجة الدولة بمعناها الحديث ولا هي وطنية. هي أشكال سلطانية من الحكم حياتها وموتها منوط بحياة وموت المشروع الغربي في فلسطين.

كل من يقاتل من اجل الديمقراطية داخل الأقطار العربية لا يقل شرفا ولا تأثيرا عمن يقاتل بالسلاح في جبهات المواجهة، وعلينا أن نُعامل من يعطل مسيرة الديمقراطية على انه متحالف مع الصهيونية ولا نصدقه مهما رفع من شعارات ولو تعلّق بأستار الكعبة.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock