مقالات

ميناء غزة الغربي ألا يكون حيلة لـ التهجير الطوعي؟

أبو يعرب المرزوقي

1. استأنف للمرة الثالثة الكلام على ما يحدث حاليا في مجرى ثورة الطوفان. وانطلق من مشروع القاعدة البحرية التي تكلم عليها بايدن. فإذا لم يكن القصد تحقق التهجير عن طريق هذه الخطة الخبيثة -وهو ما اعتقده وراء هذه المبادرة- فإن ذلك يعني حلا وسطا بين إسرائيل والعرب لتجنب ثورة الشعوب.

2. فمنذ مداخلتي الأولى في فضائية الزيتونة عللت حضور ترسانة أمريكا للمتوسط ليس بالخوف من حزب الله وإيران لأنهما اعلما أمريكا بأنهما لا دخل لهما في الطوفان ولا ينويان المشاركة في الحرب ولا لحماية إسرائيل بل لحماية الأنظمة وتهديد تركيا خاصة.

3. وحجتي في ذلك هي أن الترسانة لو كانت موجهة لما يسمى بحلف الممانعة ورأسها أي إيران لكانت الترسانة قد وجهت لبحر العرب والخليج العربي وليس للأبيض المتوسط. فمجرد الوجود فيهما كان يكون كافيا لردع إيران وردعها كاف لردع أذيالها في الإقليم. من لا يفهم هذه الحجة لا يفهم علاقة الردع بالمكان.

4. حضور أمريكا في قاعدة بحرية على شاطئ غزة لا يمكن أن يقدم عليها بايدن من دون موافقة إسرائيل ومن ثم فالهدف ليس إلا لخوف من انفجار الإقليم انطلاقا من ثورة شعبين قد يسقطان نظام مصر ونظام الأردن إذا تواصل التجويع والتهجير من غزة والضفة. والنظامان لن يتدخلا ضد إسرائيل بل ضد الشعبين.

5. فيكون هدف هذه القاعدة البحرية الحد من التجويع ومن التهجير دون منعهما لأن الهدف المشترك بين إسرائيل وأمريكا هو جعلهما يحصلان بصورة تحد مما يمكن أن يحصل في معركة الحدود بين إسرائيل ومصر والأردن بسبب التهجير من الضفة وغزة: الهدف تحقيقه دون كلفته بدعوى الهجرة الطوعية ومواصلة الحرب.

6. ويؤيد هذه الفرضية ما هو ثابت لدي من أن احرص الناس حتى من إسرائيل وأمريكا على هزيمة الطوفان والحسم مع المقاومة السنية جل الأنظمة العربية وإيران وميليشياتها. كلهم يخافون نصرها وإطالة الحرب التي لن تصمد أمامها إسرائيل والغرب لم يعد قادرا على حمايتها لموقف شعوبها ضد شنائع إسرائيل.

7. لذلك فجل أنظمة الإقليم في السر موقفهم غير كلامهم في العلن: فهم من يطلب من أمريكا أن تساعد إسرائيل للحسم مع تخفيف علل ثورة الشعوب عليهم. فيكون الحل هو القضاء على المقاومة السنية وتحقيق التهجير والخيار هو التهجير الطوعي من خلال التجويع ومواصلة الحرب مع الحد من كلفتهما الإنسانية.

8. وليس الحد منهما لعلة إنسانية أو خلقية بل خوفا من الانفجار الشعبي في ما حول إسرائيل وخاصة في الأردن ومصر: ذلك أن التهجير من الضفة وغزة إذا تواصلت الوضعية الحالية سيفرضها عناد ناتنياهو الفاشية الدينية في إسرائيل لعلمهما أن النظامين اعجز من أن يردا عسكريا بل سيواصلان قهر شعبيهما.

9. ذلك هو ما تخشاه أمريكا وذلك هو ما علاجه يكون بجعل التهجير اختياري وليس إجباريا مع توفير شروط إجباريته لأن التجويع والتقتيل يؤديان حتما إليه. ولولا هذه الغاية لاستحال أن تقدم أمريكا على مثل هذه الخطة في حين أنها كان يمن أن تفرض دخول المساعدة الإنسانية من الممرات الموجودة حاليا.

10. هل معنى هذا التحليل أني ضد وجود ممر بحري؟ كلا: إذا كان حقا الهدف تيسير المساعدة الإنسانية فليكن ولكن حينها فلتفتح لكل من ينوي المساعدة بإشراف أممي وليس بإشراف أمريكا فهي أول المبادرين لإيقاف تمويل الأونوروا وتبعتها أوروبا الاستعمارية خضوعا للصهيونية بهدف منع عودة الفلسطينيين.

11. فإذا رفضت أمريكا وخاصة إسرائيل هذا المقترح فينبغي ترك الأمر على ما هو عليه لنرى ما سيحصل في شهر رمضان: ذلك أن الشعوب إذا بقيت متفرجة على ما يجري دون أن تهجم على الحدود لمنع ما تنوي إسرائيل مواصلته من تجويع وتقتيل فالمشكل ليس من الأنظمة بل من الشعوب ذاتها: قبلت المهانة والعبودية.

12. فإذا استكانت الشعوب فلا حل إلا انتظار انتقالها من مجرد أقل الإيمان أي الاكتفاء بالدعاء مع السكوت على البغي ولم تصل حتى للسان فلا أمل في وصولها إلى اليد أي الثورة الفعلية من دون بلوغ البغي إلى اللحم الحي عندما تمر إسرائيل إلى تحقيق مشروع إسرائيل وإيران لتحقيق إمبراطوريتيهما.

13. وحينها ما نراه يجري في الضفة وفي غزة وفي جنوب لبنان وعلى حدود سوريا وعلى حدود السعودية لتحقق إسرائيل الكبرى بنفس عملية التهجير بعد التهديم والتجويع. فعل ذلك سيكون بداية استفاقة الشعوب بدءا بالإطاحة بالعملاء من حكامها.

14. وليس طلبي الحرب الأهلية في كل قطر بل تجنب ما حدث في لعبة 48: فالجيوش العربية لا يعمل عليها في قيادة الثورة لأنها ربيت على الارتزاق من دم شعوبها مثل الحكام في محميات تابعة إما لإسرائيل أو إيران ومن ورائهما أي أمريكا وروسيا.

15. فالثابت أن إسرائيل إذا لم يقع إيقافها الآن فانتصرت على المقاومة في غزة فإنها ستباشر التهجير المثلث في الضفة وفي غزة وفي شمالها، وهو ما يعني أنها ستتوهم أنها استردت قوة الردع وألجمت الجميع ما ظل معها الغرب وسكوت الشرق الذي يستفيد من دم الإقليم الأكثر من دم فلسطين ليضعف الغرب.

16. وقد يتوهم بقية العرب الأبعد عن محيط فلسطين لكن ذلك من علامات الغباء وليس الحكمة؛ ذلك أن إسرائيل وإيران من الآن يخترقان كل أقطار الجامعة فضلا عن كل بلد مسلم في إفريقيا وآسيا كما يفعلان بلوبياتهما حتى في الغرب والشرق لوهمهما أنهما قطبان عالميان: وحق لهما فالعرب نيام يتثاءبون.

17. والمشكل ليس مقصورا على الحكام وأزلامهم بل إن كل قيادات القوى الاجتماعية والمدنية والأكاديمية والإعلامية تسيطر عليهم مافيات لعلها افسد من الحكام لأنها عبيد لهم فيكونوا عبيدا لعبيد محليين لعبيد استعماريين وسيد هؤلاء العبيد كلهم لوبيات الصهيونية والصفوية في غرب الإسلام وشرقه.

18. وإذ أحاكم اليوم في تونس فليس لأني قمت بفعل موحش ضد دمية تونس بل لأني وصفت هذه الوضعية عامة وما كنت لأعنى به إذ هو لا وزن له ولا لتونس وزن في المعارك العالمية بل لأن ما يعنيني هو شروط استئناف الأمة ودورها بالتخلص من معوقاتها وهو أقل ممثلي هذه المعوقات العامة وزنا وكفاءة وقدرة.

19. وما أظن أحدا من القضاة في تونس سواء من القضاء العسكري الذي رفض محاكمتي فتخلى عن الدعوى ثم القضاء العدلي الذي اخضع المنقلب أغلبه للخوف لكنه لم يتمكن من إلغاء كل الأحرار فيه بحيث اشعر أنهم يعلمون سفاهة هذه الدعوى ضدي لأنهم ليسوا غافلين عن الظلم الذي هو أول ضحاياه حتى في رزقهم.

20. وأخيرا فهو لن يخيفني ولن يستكني ولست افضل ممن يضحون حاليا بدمائهم ودماء أبنائهم وأهلهم والذين يتعرضون للتجويع والتشتيت والتهجير: لذلك فأواصل المقاومة بقلمي وبحريتي إن لزم الأمر لأني اعتقد أن ذلك هو واجبي الذي لا مفر منه ولا بد منه.

21. ورغم كل ما يبدو من عداوة بين الغرب والإسلام فإن القرابة ليست بين الإسلام والشرق. وذلك لعلتين واحدة مصدرها الماضي المشترك بينهما والثاني مصدره المستقبل الذي سيكون حتما مشتركا. ولأبدأ بالماضي المشترك وهو مضاعف: فدينيا وفلسفيا الغرب الأدنى ابن الشرق الأدنى: والإسلام أمة الوسط.

22. الإسلام ليس من المشرقين ولا من المغربين بل هو أمة الوسط بين المشرقين والمغربين اصله ملتقى القارات القديمة الثلاث (إفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية). فلا اليهودية ولا المسيحية بالغربيتين ولا فلسفة أفلاطون وأرسطو بالغربيتين بل أربعتها من هذا الملتقى بين القارات القديمة الثلاث.

23. والصدام بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية في القرون التي كانت الخلافة قد استردت من الاستعمارين الفارسي والبيزنطي وكانت أوروبا قد تجرمنت وتنصرت علته هذه القرابة التي ما تزال في نمو مطرد بخلاف الظاهر وخاصة خلال ثورات التحرر من الاستعمار بنوعيه وهجرة المسلمين إلى الغرب.

24. أما مستقبلا فإن ما كان من انطواء غربي على ذاته وعرقياته وعصبياته بدأ يتبخر بفضل هذه الهجرة: فلم تعد أي دولة غربية مقصورة على إثنية واحدة أو على دين واحد أو على حضارة واحدة. ومن ثم فلا استبعد أن تتعارف الحضارتان معرفة ومعروفا.

25. وبذلك فإن الحضارة الغربية -وخاصة بعد الطوفان- ستعود بالتدريج إلى المشترك بينها وبين الحضارة الإسلامية التي تمثلها أمة الوسط المتحرر من تطرفي الغرب الأقصى والشرق الأقصى فتكون منطلق تحرير البشرية من صدامهما المقبل وهو الأخطر على الإنسانية كلها لأنهما كليهما يمثلان الوحشية القصوى.

26. لكن يوحد أمل في أن تتحرر الولايات المتحدة الأمريكية من سلطة الصهيونية المسيحية ليس كما هي بصدد التحرر من الصهيونية اليهودية بفضل الطوفان بل بفضل شيء آخر هو أنواع المهاجرين الجدد من غير الأوربيين وبفضل السود فيها. فهؤلاء قد يصبحون الأغلبية وهم جميعا من مهضومي الجانب حاليا.

27. وليس مستبعدا أن يغيروا من الوحشية الحالية وهي بالأساس تجمع بين عنصرية الأبيض ووحشية الصهيوني مع كثرة الاعتقاد في الخرافات التلمودية التي قد تجعلهم في النهاية يفقدون كل سلطان على مقدرات أمريكا إذا لم يذهب بهم الاعتقاد في ما يعتبرونه شرط عودة المسيح. وهو أشبه بخرافة خروج الإمام.

28. فالصهيونية المسيحية تعتقد أن هذه العودة مشروطة بالقضاء على الإسلام والباطنية الصفوية تعتقد أن هذه العودة مشروطة بإفناء السنة التي يسمونها النواصب فلا يكون العائدان في الغاية إلا الدجال الأعور. وكلاهما يملك سلاح الدمار الشامل. فيكونا هما من يمكن أن ينهي العالم لأنهم الشر بعينه.

29. وما حصل باسم الماركسية في الشرق الأقصى معلوم للجميع وقد يزداد الأمر بشاعة بعد أن تصبح الصين مسيطرة على كل العالم الذي كان يسمى ثالثا لأن الغرب أدناه وأقصاه بالغ في الاستبداد والعنجهية وعمى البصيرة فمكن لأعداء الإنسانية بمقتضى رفض القيم المشتركة من القوة بحربه على المستضعفين.

30. وما لم تستأنف الأمة دورها لتعدل الكفة فإن البشرية تلامس لحظة الانفجار الذي لن يبقى لا البشر ولا الحجر ولا الإعمار والديار بعد أن لوثوا الطبيعة والأخلاق وجعلوا البشر بيد مجانين من جنس بوتين الذي عمل في الشيشان نفس ما تعمل إسرائيل في غزة من تدمير هو جوهر تاريخ الغرب الاستعماري.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock