مقالات

سدّاية يمّة…

(منسج أمي)

نصر الدين السويلمي

ها قد تجاوزت العقد الثّالث للـ غربة، لقد قضيت في هذه الأوروبا أكثر من 30 سنة بعيدا عن هنــــاك.. من لكسمبورغ إلى ألمانيا ففرنسا فسويسرا فهولندا فالسّويد فإيطاليا فبلجيكا حتى رومانيا وطأتها أقدامي.. ثمّ فليبيا فسوريا فالسعوديّة فالجزائر..

سدّاية يمّة (منسج أمي) - طاجين الكسرة (الخبز)
سدّاية يمّة (منسج أمي) – طاجين الكسرة (الخبز)

غربة

رغم ذلك ورغم أنّ العمر صنصره الابتعاد ما زلت أسأل ما العلاقة بين هناك حيث رائحة الشّعانبي تغمّر على روحي منذ الأزل، وتلك الفوضى الشهية التي تتناطر (تقفز) في سوق المدينة الفقيرة.. وبين هنا.. في حضرة هذه العناصر الشّقراء المرتّبة بعناية إلى حدّ الملل! إنّني أدين لهذه الألمانيا بسخائها حين فتحت أبوابها لي ولم تصدّق وشاية الجنرال الذي حذّرها من “إرهابي” خطير بصدّد التموّقع في أراضيها ذات تسعينات، المشكلة ليست في ألمانيا السخيّة، أبدا.. بل في هذا الكائن الذي فشل في إعادة ترتيب الذّوق ليتجانس مع تفاصيل الجمال الغربي، ليتعايش بدفء مع الرفاهيّة الشّقراء.. العيب ليس في الحضارة حين تهذّب وتنمّق وتنقّي وترتقي بأشيائها، العيب في هذا الذّوق الذي شاخ وصلّبته التجاعيد القرويّة حتى استقرّ طعمه على وجبة الغبار والنّو والكانون والڨصعة والحركة الحثيثة حول الأمّ بداع أو بلا داع… إنّ الڨاوري (الأجنبي) هنا في بلاد الثلج لا يتردّد كثيرا على أمّه، لكن اذا دخل وتحتّم أن يناديها فلغرض معيّن يطلب ويسأل ويأخذ ويستفسر ثمّ ينصرف.. أمّا هناك في بلد العواطف القروية فالأمر غريب.. يدخل الولد والرّجل والكهل.. ينادي.. يمّا.. تردّ هاني هنا…انتهى !!! وكأنّها تراتيل يجب أن تتردّد كلّ مرّة في أرجاء البيت لتجدّد دورة الحياة، لكنّها تلك الأوراد الموصولة بالحبل السري لا تنقطع دهرا.. حتى تنخلع الحياة من جذورها…

كثير ما أحدّث نفسي، إلهي كيف يمكنني النّجاة من هذا النّعيم الأشقر والرحيل إلى تلك المدينة الشقيّة لأمارس الكآبة مع عشيرتي، فقد اشتقت كثيرا إلى الشهيلي وإلى السفّاية وإلى ممارسة الموت البطيء مع أُمَّاليّا.. لقد كان اللّيل من حولي هدوء قاتل** والذكّريات تمور في وجداني** ويهدّني ألمي، فأنشد راحتي** في بضع آيات من القرآن.. لقد أتيت هنا برجلي، حين قرّرت أن أشاغب الثّعبان، كنت أمارس بعض الكرامة وكان يسعني أن أسكت مثل غيري.. ويدور همس في الجوانح ما الذي** بالثّورة الحمقاء قد أغراني؟** أولم يكن خيرًا لنفسي أن أرى مثل الجميع أسير في إذعان؟** ما ضرّني لو قد سكت، وكلما** غلب الأسى بالغت في الكتمان..

ثمّ أيّها البدوي الأحمق، ماذا يمكن أن تفعل أنت لدولة مكشّرة مدجّجة بالحديد والنّار؟ وكيف لجنرال رسّم أوتاده فوق أكوام الجماجم، أن يثير حفيظته صراخك الخافت؟! وإن فعلت ما فعلت…فــ الظلم باق، لن يحطّم قيده موتي** ولن يودي به قرباني** ويسير ركب البغي ليس يضيره** شاة إذا اجتثت من القطعان.. ها أنت الآن تكبّلك عيالك التي أدمنت أثداء ألمانيا المترعة، وها أنت ما زلت عطشان لحليب مدينة مترهّلة منذ القديم، هـــــا أنت ما تحشمش! ترغب في مزاحمة الحطام البشري على ثدي هجره الحليب منذ مطلع الاستقلال، هــا أنت تزاحم على ثدي غارز، وهم يسبّونك ويصرخون في وجهك أيّها الجاحد، أيّها البخيل، أيّها الملهوف!!! تلهف هناك وهنا! تزاحمنا على العدم! تزاحمنا على الحرمان الشّاحب!! هم لا يدركون أنّني لا أزاحم لأرضع الحليب، بل أزاحم لأرضع الحنــــــــــــــــان!

حتى إذا اختلط حابل الحنين بنابل التخذيل، صرخ اليأس في وجداني: ومن أنت؟ بل من أنتم حتى تخلخلوا عرش الجنرال! أنين في قاع بئر عميقة وصرخة في غابات الأمازون، كيف لها أن تطفئ نار الجحيم؟!!! لكنّني سرعان ما ألمّ شمل الإيمان المبعّثر، وأخبر نفسي الأمّارة باليأس، أنّه من العواصف ما يكون هبوبها** بعد الهدوء وراحة الربّان** إنّ احتدام النّار في جوف الثّرى** أمر يثير حفيظة البركان** وتتابع القطرات ينزل بعدها سيل يليه تدفّق الطوفان** فيموج.. يقتلع الطغاة مزمجرًا** أقوى من الجبروت والسلطان….. في الحبشة الشقراء كنا نعد ساعات الأيام وأيام الأشهر وأشهر السنوات، نترقب انقشاع الدكتاتورية حتى نعود إلى الدار.. وحين غادر الدكتاتور الوطن، كان بيض العيال قد فقس، وهرول نحو مدارس الجرمان.. سرح وحبسنا.

الآن تهدأ النّفس، وتنتهي الأحلام عن إلحاحها، الآن أستسلم إلى حقيقة أنّني ما زلت هنا ما دامت العيال هنا، لكنّني أيضا سأكون هناك ما دامت يمّة هناك، والدّار هناك والأحباب هناك وعَرق الطفولة هناك.. وأولاد عزيزة هناك.. هناك في حضن أولاد عزيزة ستكون نهاية الرّحلة وليس هنا.. لا لا ليس هنا… معذرة ألمانيا الحبشة.. معذرة أيها النّجاشي الأشقر..

غربة

الآن ليست هناك عودة نهائيّة في الأفق.. كذا حتّم واجب الأبوّة، لكنّها رحلة الحنين الحتميّة تتجدد كلما تيسر الأمر.. تقلع الباخرة.. تتحرّك نحو الشاطئ الموعود، تتحدّث الأمّ مع البنات عن خارطة الرّحلة، ليلة في العاصمة، ثمّ جولة في المحلّات، ثّم نمرّ على فلان وفلان وفلانة، ثمّ ننزل البحر مرّتين ثمّ نشدّ الرّحال نحو مدينة الحطام الشهي.. تسقط كلّ التوافقات في الماء، حال دخلنا الطّريق السيّارة، كان شبح الأمّ المسنّة أقوى من عواطف الأبوّة ورغبة العيال في الترفيه.. توّ نرتاحوا قبل النفيضة… توّ نرتاحوا في الشبيكة.. توّ نرتاحوا في البلاكات… حين تخترق السيّارة بوزقام، يكون الوقت قد تأخر، والليل قد أكل بعضه، هوشششش يبدو أنّ السّماعلة راڨدين.. تستوي السيّارة في قرية شايالله.. وقبل أن تشرع في الانحدار تلوح أضواء المدينة المحرومة، المدينة ناشفة الرأس، المدينة التي لا تنام ولا تترك من ينام.. زربية من الأضواء المبعثرة، تعجبني هذه الأضواء رغم أنّها متاع الستاڨ (شركة الكهرباء) الحلّوف… ما بالها النّفس تنشرح حين تقترب أكثر من هذه الأحياء المهمّشة المهشّمة المكدّسة، ما باله الذّوق ارتبك وتعطّلت وظائفه، ما بال علم الجمال ينهار تماما أمام هجمة الأزقّة المشحونة بالطفولة المؤلمة العذبة.. وكأنّها تنهزم القيم الجماليّة المتدفقة من روح بتهوفن وعقل هيڨل وقوافي غوتا، إذا صادمت نوّار اللوز والترفاس حين ينفّج في أرضنا.. أَيْ والله ينهزم الغرب المدجّج بالحضارة والمال والجمال إذا دخل في شجار مع الجذور، بل ينهزم حتى إذا دخل في شجار مع سداية يمّة بل مع ڤرداشها.. بفففففففف وماذا إذا عن كسرتها!…

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock