مقالات

داء الاستبداد بيئته قراد شعب الدجاج و مافية نخبة الفساد

الفصل الأول

أبو يعرب المرزوقي

التشخيص والتعليل

اختم السنة بعودة إلى العاهة “داء الاستبداد” التي تعاني منها تونس -وهي عينة من العرب الذين هم بدورهم عينة من الإنسانية- في الظاهرة وفي محاولة التصدي لها من بعض الشعب وبعض النخبة الذين لا يقبلون بجبن الدجاج ونخب الفساد.

داء الاستبداد
داء الاستبداد

آمل ألا يضطروا لما اضطر إليه الفلسطينيون من الإقدام على طوفان سيزعزع كل الإقليم لأنه لن يكون مقصورا على التحرير بل هو يجمع بينه وبين التحرر:

فيلتقي بعدا طوفان مطلق يشمل استكمال تحرير الأوطان أو حرب الإستقلال للخروج من منزلة المحمية إلى منزلة الدولة السيدة وتحرر المواطن للخروج من منزلة العبيد إلى منزلة الأحرار.

وحتى نتجنب السعي إلى ذلك بالحرب الأهلية -لان ما حدث في طوفان الأقصى بدأ بحرب أهلية بين فتح وحماس- أريد أن اقدم استراتيجية الحل السلمي بعد التشخيص الموضوعي.

والطريقة هي طريقة الطب لأن علاج الأمراض هي وظيفة الطب. ولا يوجد علاج طبي من دون هذه المراحل الخمس التالية:

  1. إذن تشخيص الداء: منطلق البحث
  2. تحديد علل الداء: غاية البحث وبداية العلاج
  3. تصور العلاج المناسب: الوصفة العلاجية
  4. استراتيجية الوصفة لاستعمال الدواء
  5. الغاية هي الشفاء من الداء: أي تحرر المواطن ليحرر الوطن.

وبذلك يكون البعد الثالث هو قلب المعادلة أي العلاج المناسب والوصفة العلاجية وهما ثمرة البعدين المقدمين عليها والطريق إلى ثمرة المواليين وتلك هي الفصول الثلاثة التي تتألف منها هذه المحاولة.

وتليها وصلتان مطبقتين على تونس الأولى هي ما حدث في تونس لتصبح عينة دالة على ما حدث في البعدين المقدمين أي التشخيص والتعليل ثم ينبغي أن يحدث حتى نستطيع العلاج الذي ينبغي هو ما علينا إحداثه في البعدين المؤخرين عليه.

تشخيص الداء

دون فخر فقد شخصت الداء -وهو ليس خاصا بتونس بل هو يشمل كل أقطار الجامعة العربية من الماء إلى الماء بل وكل الأمة الإسلامية. لذلك فتونس محرد عينة في هذه المحاولة لئلا يكون كلامي شديد التجريد فلا يفيد القارئ غير المعتاد على الفكر الفلسفي المجرد. والتشخيص المتعين له مستويان:

  • مستوى يعم الشعب: فيصبح بأخلاق الدجاج.
  • ومستوى يخص النخبة: فتصبح بأخلاق المافية.

فتنتقل الجماعة عامتها ونخبها من أخلاق السادة إلى أخلاق العبيد. وهي إذن حالة مكتسبة أو داء مرضي وليس فطريا في طبيعة الإنسان. وهذا التشخيص يؤدي سؤال التعليل: البحث عن علل النقلة وكيف تكون: فكيف يفقد شعب الإرادة الحرة والحكمة الراجحة ليصبح بجبن الدجاج وتستبدلهما نخبته بفساد المافية وفسادها.

مقدمة ابن خلدون‎
مقدمة ابن خلدون‎

التعليل الذي اتبناه: وهو خلدوني

وفي الحقيقة فقد سبق ابن خلدون كل الباحثين في علاقة الأخلاق بالسياسة ببعديها أي التربية والحكم فحدد تعليلا فريد النوع في تاريخ الفكر الفلسفي والديني في آن: فقد عرف الداء بكونه “فساد معاني الإنسانية”.

كما وصفه في الفصل 24 من باب المقدمة الثاني وفي الفصل 40 من باب المقدمة الأخير فلسفيا وصفا صريحا انتهى إلى حالة روحية وصفها دينيا بأنها حال الرد اسفل سافلين أي فقدان التقويم الأحسن أو الخسر كما عرفته سورة العصر ببيان علاجه أي الوعي به ثم الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

لكنه قدم على هذا الوصف الفلسفي الموصل إلى عادة روحية أي وصفا دينيا في الفصل الـ 06 من الباب الثاني منها دينيا في تربية الرسول وحكمه للصحابة لمنع فقدان البأس لأن الإنسان لا يمكنه أن يبقى من دونه فيكون المآل فناء الشعوب التي تنقرض بالتدريج إما عضويا أو حضاريا فتصبح تابعة لمن استعبدها.

وهو قد قدم التعليل الديني ومثل له بحال الفرس في التاريخ بفلسفة القوة الحيوية ودورها في شروط البقاء العضوي أو الحضاري أي بالفناء أو بالبقاء التابع وفيها التعليل ديني لكن النتيجة فلسفية أنها تنتهي إلى زوال الإرادة الحرة والحكمة الراجحة المؤدي إلى الزوال العضوي أو الروحي.

وقد مثل للأول بحال اليهود في التاريخ بفلسفة الأخلاق ودورها في شروط حرية الإرادة ورجاحة الحكمة وهو تعليل فلسفي رغم اعتباره النتيجة دينية وروحية لأنها وصفا بالرد أسفل سافلين.

ويجمع بين المعيين مفهوم واحد هو فساد معاني الإنسانية في هذين المستويين العضوي والروحي. والتعليل هو إذن تعليل مضاعف ديني وفلسفي كلاهما متضمن في الثاني:

“وفسدت معاني الإنسانية التي له (لمن خضع لتربية عنيفة) من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين”.

جمع “مفهوم فساد معاني الإنسانية” المعنيين أي: أخلاق الدجاج عند العامة وخلق المافية عند النخبة. والعلة واحدة.
لذلك استمد من نفس العلة -التربية العنيفة- نظيرتها أي الحكم العنيف الذي قاس نتيجته على نتيجة التربية. فقال:

“وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به. وتجد ذلك فيهم استقراء. وانظره في اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى إنهم يوصفون في كل أفق وعصر بالخرج ومعناه في الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه.”

تلاحظون أن المناسبة حتى هي ليست من عندي بل هي المثال الذي ضربه ابن خلدون أي أخلاق اليهود واخلاق الفرس ليس بسبب جنسهم بل بسبب ما عاشوه من تربية وحكم عنيفين في كل تاريخهم مع كل شعوب الأرض.

بالنسبة إلى اليهود الأمر لا يحتاج لإثبات. لكن الفرس حصل لهم نفس الشيء مع اليونان وخاصة بعد الغزو المقدوني إذ فقدوا كل إمكانية للإبقاء على خصوصيتهم.
وصاروا تابعين حضاريا كما بينت سورة الروم التي توقعت هزيمتهم بعد نصر أخير تلاه إنهاء دولتهم من قبل الفاتحين. وما يظنه الكثير قوة اليهود والفرس هو في الحقيقة مجرد رد فعل معبر عن الضعف الذي نتج عن تاريخهم الذي أنتج هذه الأخلاق التي تتعين في جبن العامة وخبث الخاصة. والخبث جبن مركب لأنه يستبدل الشجاعة بالخداع والنبل بالنذالة والأمان بالغدر: وتلك هي أخلاق عامة اليهود والفرس ونخبهما إذا رصدنا دورهما في تاريخ العالم عامة وفي تاريخ الأمة الإسلامية خاصة.

وسأكتفي في هذا الفصل الأول من المحاولة بالتشخيص والتعليل الخلدوني الذي اتبناه تبنيا تاما وليس لي عليه أدنى تعليق ينافيه لأن رصد دورهما في تاريخ الأمة يثبته في كل منعرجات تاريخها الكيفية من الفتنة الكبرى إلى اليوم.

وما أظن تاريخهما العام قبل الإسلام مختلف عنه معه أو بعد انفراط عقد الخلافة الذي كان لهم فيه الدور الرئيس بدليل ما حدث في القضاء على الخلافة الأموية ثم العثمانية.

وكل ما بينهما كان صراعا علته دورهما التخريبي لكل أركان اللحمة الإسلامية المتجاوزة للعرقيات والطائفيات لأن الإسلام يخاطب الإنسان من حيث هو إنسان ويعد التنوع العرقي والحضاري من آيات الله وهو يشجعها ولا يحاربها لأنها شرط التعارف معرفة ومعروفا.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock