مقالات

حرب الطوفان حرب عربية وليست غزاوية فحسب

نور الدين العلوي

هناك تحليل سياسي عمره من عمر النكبة أي سابق على حرب الطوفان تتفق حوله النخب والشعوب والأنظمة العربية في الأعم الأغلب، وهو أن وجود الكيان الصهيوني مزروعا في جسد الأمة هو عملية تخريب مقصودة لهذا الجسد للإبقاء عليه هشا وضعيفا وتابعا وغير ذي مكانة ودور في التاريخ.

حرب الطوفان حرب عربية
حرب الطوفان حرب عربية

وقد بُنيت على هذا الخطاب سياسات ووُضعت استراتيجيات طويلة المدى؛ زعمت كلها مقاومة الكيان ووصل طموح بعضها -في الخطاب على الأقل- إلى رمي هذا الكيان في البحر. والنتيجة المنطقية لهذه المقدمات هي أن أي معركة تندلع في الأرض المحتلة هي حرب تحرير لا لفلسطين فحسب، بل لكل الأمة المطعونة بهذا الخنجر المسموم. وتبعا لذلك فإن حرب الطوفان الجارية الآن في غزة والضفة هي جزء من عملية التحرير الشاملة، وعليه فإن الفلسطيني انتظر وربما فقد الأمل الآن في أن تقوم أمة العرب بنجدته بما تيسر لها من قوة سياسية وأخلاقية؛ ليس بتحريك الجيوش ولكن بوسائل تحول الأقطار وشعوبها المحتلة من السلبية إلى المشاركة لتكون عملية التحرير شاملة.

لماذا تصمت الشعوب العربية؟

في اللحظة التي نتابع فيها ما يشبه الثورة العالمية مع غزة ونرى تحولات عميقة في وعي الشعوب بحق الفلسطيني في الوجود والحرية وبداية وعي كوني بطبيعة الكيان الاحتلالي، فإن الملاحظة الأبرز هي سلبية الشعوب العربية في أقطارها بأهمية معركة الطوفان الجارية، فالشوارع العربية هي الأقل حركة والأقل تعاطفا بشكل يوحي بأن هناك تخليا عن القضية.

ونسمع لتونسيين يقولون “اللي فينا مكفينا”، ففي تونس يشقى الناس للحصول على الأساسيات الغذائية ويكافحون يوميا من أجل تدبر الخبز وزيت الطعام. فهل بقي لنا من جهد لدعم غزة؟ وهذا التبرير يبدو واقعيا جدا، ولكن سؤالا مهما لم يُطرح الآن وهنا: لماذا وصل الناس إلى هذا الدرك من الحاجة؟ أليس لوجود الكيان هناك من تأثير هنا؟ (والقياس جائز في بقية الأقطار العربية).

في تقديرنا أن ضعف كل قُطر عربي يعود في جزء مهم منه إلى وجود هذا الكيان في جسد الأمة، حتى أن المرء ليخجل من التذكير بذلك في هذه اللحظة. لقد فرضت القوى العظمى الداعمة للكيان منذ وجوده، ومنها فرنسا ذات التأثير الكبير على أقطار المغرب العربي، سياسات قهرية أدت إلى تفتت إرادات الشعوب وتحويل أنظمتها إلى أدوات قمع لشعوبها فمنعت هذه الشعوب من التحرر الفعلي وإن كانت لها دول قائمة شكلا لا مضمونا.

الاحتلال وإن كان غير مباشر أضعف الأنظمة التي تحولت إلى أجهزة قمع لشعوبها، فأضعفتها فشغلتها بقُوتها اليومي فأنستها قضيتها الأم وهي قضية التحرر السياسي، والذي منه الحق في الوقوف ضد الكيان الغاصب في فلسطين التي بقيت لهذه الأسباب تحارب وحدها.

كان يمكن الاستفادة السياسية من حرب الطوفان

وفّرت غزة للأنظمة العربية فرصة كبيرة للتحرر من نير الاحتلال، ولا تزال الفرصة قائمة أمام هذه الأنظمة لابتزاز الدول الغربية وتحصيل مكاسب لشعوبها عبر إطلاق شعوبها في الشوارع للضغط على السفارات والشركات بالاحتجاج السلمي وحده، وهو كاف أسوة بالاحتجاج العالمي الذي يقوم الآن بالضغط على الأنظمة الغربية ويجبرها على تعديلات سياسية في الخطاب على الأقل في انتظار ظهور نتائج الضغط انتخابيا.

مثل هذا الضغط في الدول الغربية سيؤدي في أقل الاحتمالات إلى عرض أثمان على الأنظمة العربية نظير إسكات شعوبها بما يفتح الأبواب إلى مزيد من الابتزاز، وقد رأينا رأي العين أن دول الغرب خائفة فعلا على مصير الكيان وعلى وجوده وهي تبذل الكثير للحفاظ على الوضع القائم. وهذا هامش واسع للمناورة السياسية أتيح للأنظمة فلم تستغله.

هذا الاحتمال أُهدر بلا مقابل، فحتى إغلاق معبر رفح وحصار غزة الجائعة الجريحة كان يمكن أن يكون له ثمن كبير يقوي النظام المصري ويوفر لشعب مصر مكاسب، لكننا نرى بيعا بلا مقابل وتفريطا مجانيا بل تطوعا لخدمة الكيان.

لقد توقفت قيادة المقاومة في بياناتها الأخيرة عن استنهاض الأمة واكتفت بشكر من يشارك بالقليل المتاح مثل أهل اليمن، وهذا يكشف شعورا باليأس لدى المقاومة من أن ترى شوارع عربية تتحرك إلى جانبها. سيتحدثون من غزة في وقت لاحق عن الخذلان العربي.

المقاومة تصمد وحدها

حتى اللحظة والحرب تتجه إلى مائة يوم؛ تصمد المقاومة وحدها بلا سند عربي وربما يكتب فلسطيني ذات يوم قريب “الحمد لله أن لم يساندنا نظام عربي فجاء الانتصار طاهرا نقيا”. لقد ارتفع الثمن البشري في غزة وكان يمكن التقليل منه بالإسناد العربي، ولكن الغزاوي يحارب وحده ويصمد وحده ويدفع الثمن وحده. ولعل ذلك يمنحه قوة غير متوقعة وهو على أبواب التفاوض على ما بعد الحرب، فلن يقدم تنازلات لمن لم يساعده عندما احتاج المساعدة.

الكيان الصهيوني مرتبك في الميدان ومرتبك في السياسة ويوشك كيانه أن يتفتت، وسيكون لضعف الكيان أثر على الأنظمة التي فقدت دورها في حمايته، وعندما يخرج في وقت لاحق من يطالب الفلسطيني بحقوق مقابل جهد لم يبذله في نصرته عند الحاجة إلى النصرة؛ فسيكون الوقت قد فات فعلا على هذه الأنظمة التي لم تستوعب لحظة المعركة القومية الجارية في مربع غزة الصغير على الخريطة.

القلة المؤمنة بغزة من خارج غزة لم تنجح في فرض صوتها وإرادتها على الأنظمة الحاكمة فاكتفت بالدعاء والبكاء من ألم وعجز، ولعل مصابها يتحول مع الوقت إلى وعي أكثر حدة بوضعها كشعوب محتلة تحتاج بدورها إلى خوض معركة طوفانها الخاص لتحرر إراداتها، وهو الأمل الوحيد الذي ترسله غزة المحاصرة برا وبحرا وجوا. لهذه الفئة أن تعتمد على نفسها وتشرع في إعداد طوفانها الخاص، فإن لم تفعل فستكون غزة حرة ذات يوم قريب ولن يكون لديها الوقت لنصرة من لم ينصرها.

لقد كانت طوفان الأقصى معركة عربية تتجاوز حدود غزة وفلسطين، لكننا نحدس أن الله يرتب قدرا لا نفهمه فهذه المعركة لن تتوقف عند حدود غزة.. سنواصل الدعاء ونخفي دموع القهر والخذلان.

عربي 21

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock