مقالات

غزة، أعلى مراحل الكفاح ضد الإمبريالية

عدنان منصر

بمناسبة حرب الإبادة التي تشنها قوات الكيان الصهيوني على غزة، والمساندة الكاملة التي لقيتها في خضم ذلك من العواصم الغربية، أعيد طرح الكثير من الأسئلة حول طبيعة هذا الصراع، ماهي العوامل التي أدت لانفجاره اليوم؟ وما هي ارتباطاته بنظام المصالح الدولي؟ وما هي علاقة المعركة الحالية بالصراع الإستراتيجي الدولي حول الطاقة والتجارة ومسالك تنقل البضائع والأموال؟

لنؤطر الموضوع تاريخيا، ولننظر أولا في وظيفة الكيان الصهيوني منذ قيامه غداة الحرب العالمية الثانية، فهذا سيساعدنا بالتأكيد على فهم الكثير من الأشياء المهمة. فعندما بدأت قوات الانتداب البريطاني في فلسطين في حزم حقائبها للمغادرة، مفسحة المجال لقيام الكيان الصهيوني عبر ما أسمته العصابات الإرهابية الصهيونية في فلسطين “بحرب التحرير”، كان ذلك جزءا من عملية إعادة انتشار واسعة شرعت فيها القوى الاستعمارية غداة الحرب. في شبه القارة الهندية وفي غيرها، وفي حين كانت فرنسا تحاول الإستماتة في التمسك بمستعمراتها، كان البريطانيون يغادرون أو يستعدون للمغادرة، ولكن بضمانات للمستقبل. لقد بدأ العالم في التغير، ولم يعد مفيدا جدا للدول الاستعمارية الدخول في صراعات مباشرة ودامية عندما كانت تحصل على ضمانات بالحفاظ على مصالحها وتطويرها سلميا. بالنسبة لمثال بريطانيا ودولة الكيان الصهيوني، كانت الوضعية طريفة تاريخيا: كان العدوان الثلاثي على مصر في 1956 هي المرة الأولى التي تدخل فيها دولة إستعمارية حلفا عسكريا وسياسيا هجوميا مع دولة يفترض أن تكون قد تحررت من استعمارها، ثمانية سنوات فقط بعد التحرير المزعوم.

بالنسبة لإسرائيل، ينبغي العودة إلى ما قبل ذلك في الحقيقة، إلى بدايات القرن التاسع عشر عندما بدأ البريطانيون في اقتراح أماكن بديلة عن فلسطين يوطن فيها المهاجرون اليهود الهاربون من اللاسامية في روسيا وأوروبا الشرقية والوسطى. كانت كل المقترحات البريطانية تنطلق من ضرورة أن تكون هذه المقترحات متعلقة بأراض قريبة من قناة السويس، خط التجارة الرئيسي بالنسبة لبريطانيا، وعقدة المبادلات في البحر المتوسط والمحيط الهندي والعالم. اقترحت قبرص، والعريش، وسيناء، قبل أن يتم دعم فكرة فلسطين. التطور الداخلي للحركة الصهيونية، وتصاعد دور المتدينين في هياكلها، هو الذي حسم الأمر في النهاية. فلسطين كانت اختيارا جيدا لبريطانيا عندما أصبحت الظروف جاهزة، وقد صدق تطور الأحداث ذلك لاحقا، وإلى اليوم.

إن تاريخ الصراع الإستراتيجي بين القوى العظمى، داخلها وضد القوى المنافسة، كان يتعلق دوما بمسالك التجارة، أي بالأرباح. في شرق المتوسط، كان هذا الصراع قد شهد تحولات دراماتيكية منذ بداية التخطيط لحفر قناة السويس. لم يتغير الأمر كثيرا منذ ذلك الزمن، وها أن الأمر أصبح متعلقا اليوم بفتح طريق تجارية عالمية جديدة تمر من المنطقة وتربط الهند بأوروبا. ما يحدث اليوم هو محاولة تعويض قناة السويس، وإعطاء الدور الإستراتيجي في التجارة الدولية لإسرائيل بعد افتكاكه من مصر. سيعوض ميناء حيفا إذا القناة المصرية، وستذهب كل العائدات للكيان عوضا عن مصر. إدماج كامل للكيان الصهيوني في حركة التجارة الدولية يحقق عدة أهداف استراتيجية على المستوى العالمي في المستقبل: محاصرة التجارة الصينية، القضاء على عوامل القوة الروسية في المجال الطاقي، تصعيد القوة الهندية إلي مصاف القوى الاقتصادية الرئيسية، القضاء على المكانة الاستراتيجية لمصر في المنطقة، وتجاوز العرب تماما في المشهد القادم.

الدور الإستراتيجي في التجارة الدولية لإسرائيل
الدور الإستراتيجي في التجارة الدولية لإسرائيل

يتم ذلك بالتوازي مع السيطرة على قطاع النفط والغاز في العالم كله، احتكار تصديره ومراقبة مسالكه، ووضع أوروبا تماما في تبعية للمحروقات الأمريكية المنتجة في ألاسكا. هذا المشهد هو ما لخصه نتنياهو في نيويورك بداية شهر سبتمبر عندما كشف عن خريطة المشهد المقبل: كان ميناء حيفا في قلب الخريطة، بما يقول أن نظام التجارة الدولية سيكون معلقا بإسرائيل. لم يحدث أبدا في السابق أن حصلت إسرائيل على هذه المكانة في مخططات الأمريكيين والأوروبيين. لقد انتقلت ببساطة من مرتبة حارس المصالح، إلى مرتبة المقاول المباشر. بإمكان الجميع أن يفهم اليوم بوضوح إذا الصورة التي ترتسم في غزة. هذا مشروع ضخم يتطلب استقرارا، وهو فاشل لا محالة دون إخضاع كامل للفلسطينيين، بقتلهم أو تهجيرهم بعيدا عن الخط التجاري الضخم المقبل.

هذا يفسر أيضا جانبا من تواطئ “دول القبة الحديدية” العربية مع الحرب على غزة. وإذا كانت أبو ظبي عنصرا فعالا في المشروع الجديد جهز نفسه جيدا للبدء في حساب الأرباح عن طريق السيطرة على عديد الموانئ في المنطقة والعالم، فإن الأردنيين سيتم إسكاتهم بكثير من المساعدات، وبدور ما في الخط التجاري الجديد. المساعدات، التي أعلن عن الاستعداد لصرفها لمصر في خضم القصف على غزة، ما فاجأ حتى المصريين، هو جزء من الصفقة. بطريقة أو بأخرى، فإن “دول القبة الحديدية” المشاركة في الخطة الجديدة بطريقة أو بأخرى، ستجد حلا لأمنها القومي ولتوازناتها الديمغرافية الداخلية التي يهددهما مشروع تهدير الفلسطينيين. لقد أثبت المال أنه الأمن القومي الحقيقي الأول بالنسبة لهذه الدول، وباستمرار. شيئا فشيئا، ستتحول إسرائيل دولة ذات ثقل استراتيجي دولي كبير في المنطقة بفضل تحكمها في التجارة بين آسيا وأوروبا، وستزول مصر التي ستتحول لمجرد امتداد للرمال التي تبتلع تاريخها وحضورها.

هذا المخطط الضخم يجد نفسه اليوم مهددا من بضع مئات من المقاتلين، ومن بضع مئات الآلاف من الفلسطينيين في غزة بالذات. في التحول الضخم الذي يحصل اليوم على وقع الحرب التجارية العالمية بين الولايات المتحدة والصين، تقف إسرائيل في مقابل الفلسطينيين تماما. لم يحدث أبدا أن أصبحت “الأرض التي بلا شعب” حلما لازما ومستعجلا للصهيونية والغرب، مثلما أصبحت عليه اليوم. أما بالنسبة للقوى الجديدة، بل وبالنسبة للصين وروسيا بالذات، فإن غزة تمثلا فعلا خط المواجهة الأخيرة التي تتحكم في مصير الصراع الاستراتيجي الدولي للقرن القادم على الأقل. هذا الصراع تجاوز بكثير النقاشات حول حقوق الإنسان، وقتل الأطفال، وقصف المستشفيات، والكيل بمكيالين. كان هناك باستمرار مكيال واحد، وهذا المكيال كان متعلقا دوما بالتجارة.

ما تمثله إسرائيل اليوم من وعود بالرخاء للولايات المتحدة ودول القبة الحديدية العربية أكبر بكثير من التهديد الذي تسلطه على “السلم في المنطقة”. هناك ارتباط مصالح إمبريالية يترسخ وتوضع له الخطط، ويقع تجهيز مقومات نجاحه بكل العناصر المساعدة الممكنة، من حاملات الطائرات إلى الدعاية الإعلامية، إلى غلق المعابر وخنق غزة حتى الموت. هذا ما يسمى ترسانة الحرب الإستراتيجية المتكاملة في العالم اليوم. تلخص الحرب على غزة اليوم المعركة الأخيرة، حيث يقف مقاوموها ضد تحويل العالم، في القرون القادمة، لمجرد مزرعة إمبريالية. لم يحدث أبدا أن تحكمت بعض البنادق في مستقبل العالم مثلما تفعل الآن. هذه هي اليوم معركة غزة الحقيقية: معركة من أجل العالم.

موقع ألترا تونس،

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock