مقالات

رسالة إلى رضا لينين بمناسبة الحرب

نور الدين الغيلوفي

رضا لينين

“وفي الليلة الظلماء يُفتَقَد البدرُ” أبو فراس الحمداني

تحيّة رفاقيّة تليق بموضعك…
افتقدناك يا رجل، فأين أنت؟ البلد يحتاج إليك، والأمّةُ تذكرك وتبحث عن أثرك في زمان مقاومة تحتاج إلى قادة من طرازك.

1. عرفنا لك ظهورين:

ظهورا أوّل في الزمن النوفمبري حين اتّخذتَ قرارك بحمل النظام السياسيّ آنذاك على ظهر فصيلك الإيديولوجي الذي ادّعيت لعناصره القلائل ذكاءً لا وجود له خارج مقولة لينين الأصليّ تلك التي جعلتها لك حجّة لتبرير زواج السفاح بين الدساترة والوطد، ذلك الزواج أنجب نظام بن علي الذي من فرط ذكائه فهم الشعبَ التونسيَّ عندما كان يحزم حقائب هروبه الأخير بعد ربع قرن من حكمه بكم (الباء هنا هي باء الوسيلة). كان دخول الوطد إلى السلطة من وحيك أنت دون غيرك عملا بمقولة لينين “بإمكان دستة أذكياء التفوّق على مائة من الحمقى” كما شهد صديق لك في كتاب له كتبه عنك. وقد رأيت نفسك في مقام جون جاك روسّو، وربّما أعظم.

رضا لينين
رضا لينين

ثم غبت دهرا فلم يعد يذكرك أحدٌ كأنّك قد تحلّلتَ في نظام السابع من نوفمبر. ولمّا جاءت الثورة لم تنخرط في مسارها من قريب ولا من بعيد، بل ظللت تمضغ شكّك وربّما غضبك من ألّا تستطيع دستة الأذكياء، التي كنت على رأسها، قيادةَ ثورة وطنية ديمقراطية حتّى النهاية.

وكان ظهورك الثاني مع الرئيس الحالي وأنت تملي عليه، قبل جلوسه، من مقولات الفقيه الدستوري الألمانيّ، النازيّ كارل شميث وقد تبنّيتَ رأيه من وجوب فكّ الارتباط بين الديموقراطية والليبرالية، ومن ضرورة إعادة الديمقراطية إلى معناها الأصلي وهو السيادة الشعبية كما تراها أنت في ما أسميته “البناء القاعديّ”. ففي مقابل الأطر الليبرالية الحالية التي يسير فيها أيّ مشروع ديموقراطي، رأيتَ أنت ما رآه شميث من أنّ الليبرالية ليست هي النموذج المثالي لتحقيق الديموقراطية، وذهبت مذهبه في أنّ الديمقراطية الليبراليّة لا تجعل السيادة للشعب، وبالتالي تفسد معنى الديمقراطية الذي قرّرت أن تراه.. لذلك بُعثتَ لتصلح الأفكار والمسارات.

2. مضي زمن ثقيل على الوطن والشعب

ولم يرَ الناس من بشائرك شيئا، ولكنّك لم تعتذر عمّا فعلت كما لم تعتذر من قبلُ على فشل “دستة الأذكياء” في تفوّقها، وبقيت كما كنتَ. لم تتعلّم من عمرك الطويل، في التفكير والنضال، أنّ النظريات السياسية لا يمكن أن تكون كاتالوغات جاهزة يطبّقها من يشاء على الواقع الذي يريد.. الأمر الوحيد الذي فعلته هو استبدالك سميث بلينين. ولأنّك محدود النظر والعمل فقد بقيت تدور حول نفسك في إعادة إنتاج لتجربتك مع بن علي مع الرئيس الحالي في استغلال فاحش لحالة الانقسام التي بدا عليها المشهد السياسيّ بفعل ارتفاع منسوب الحرية التي لم تدافع عنها يومًا ولكنّك لم تر فيها غير فرصة انتهزتها لتلتفّ على جهود المناضلين من مختلِف الأطياف.. لم تساهم في النضال بشيء ولكنّك أخذت الثمرة لتصيبها بالعفن.. وما ذلك إلّا لأنّك لا تزال تظنّ أنّك زعيم دستة الأذكياء التي تتفوّق على كلّ الحمقى. وكلُّ الأغيار في رأسك حمقى.

3. ليس لشيوعيّ أن يرى نفسه ذكيا لمجرّد كونه شيوعيًّا

فمن الغباء أم يدّعيَ المرء من الذكاء ما ليس له، ومن أغبى الغباء أن يرى نفسه أذكى من غيره. الذكاء لا نقرّره لأنفسنا إنّما هو اسم يأتي لاحقا لوصف حقيقة سابقة. ولا أظنّ أحدا قد رأى فيك الذكاء الذي تدّعي.

لم يكن دخولك ورفاقك إلى التجمّع ذكاء بل كان انتهازية، والانتهازيّ لا يمكن أن يكون ذكيّا ولا وطنيا ولا ديمقراطيا.. الانتهازيّ يفكّر في مصلحته الشخصيّة فإن تجاوزها لم يرَ أبعد من قبيلته الإيديولوجيّة.

لقد شوّهت ورفاقك الانتهازيين الماركسيةَ وجعلتموها قرينة الرداءة، وقد كان يمكن، لو أنّها تبنّاها أذكياء وطنيون فعلا، أن تكون قيمة مضافة للوطن والشعب. ولكنّكم قنعتم بالدسم وتركتم الأفكار الجوهريّة المفيدة. فما بقي لكم من ماركسيتكم غير الادّعاء.

4. الرجل الذي احتلتم لإيصاله إلى سدّة الحكم

وساعدتموه على اغتيال الثورة والعبث بالمسار الديمقراطي استولى على كلّ السلطة وقتل كلّ السياسة ولم يعمل عملا مفيدا واحدا، فهل هذا ما خرجت على الناس تبشّر به في لحظتيك: لحظة الرثاثة ولحظة الأناقة كلتيهما؟

هل ترى لك ولفريقك صلة بالقاعدة الشعبيّة؟ أم تراكم رضيتم بالاستيلاء على القمّة وعزّ عليكم الوقوعُ من عليائها لعظيم إغوائها؟

هل ترى منجزا لكم واحدا يسوّغ ما أقدمتم عليه في انقلابكم على مسار الانتقال إلى الديمقراطية الذي كانت تسير فيها البلاد قبل هجومكم عليها؟ هل تحرّكتم خطوة واحدة تُحسب لكم على حساب الديمقراطية الليبرالية التي جئت برسالة لعنِها؟

هل تتجرّأ فتخرج على الناس في إحدى حالتيك السابقتين لتعتذر أو لتبيّن للشعب الذي جئت تبكيه ما الذي فعلتم به أو صنعتم لأجله؟

5. أعلم أنّك درست الحقوق في الجامعة

ودرّست التربية المدنية في معاهد تونس ثم كنت المتفقّد الذي يعلّم البيداغوجيا ويكوّن في التواصل.. فهل تراك بقيت وفيا لما كنت تدعو إليه في تونس أو خارجها وأنت الخبير الذي ينقل خبراته البيداغوجية إلى مدارس الخليج العربيّ؟

ألم تكن تقول للذين درّستهم أو كوّنتهم إنّ الظلم مؤذن بخراب العمران كما علّمك ابن خَلدون؟ ألست ترى في الذي يجري على مخالفيك ظلما؟ ألا تحتمل أن يكون الظلم الذي تمارسونه هو ما يمنعكم من حركة نافعة يمكن أن يراها أحد لكم؟

6. هل ترى من معنى

لسجن راشد الغنوشي وجوهر بن مبارك وغازي الشواشي وعلي العريّض ونور الدين البحيري وراشد الخياري والصحبي عتيق والحبيب اللوز وغيرهم؟ هل سُجن هؤلاء بغير عبارتك الشهيرة “خليوهم يمشيو ويجيو على التحقيق”؟ أليس في ذلك تنكيل بالمخالفين؟ هل يعني مشروع مدينتك الفاضلة العبث بحيوات الناس وسلب حرياتهم واستعمال أجهزة الدولة للإلقاء بهم في غياهب السجون؟ هل هذا هو ما جئت تبشّر به؟ هذا هو الظلم عينه يا روسّو تصحيح المسار.. والظلم كارثة على الحاكم والمحكوم كليهما. ألستَ تكره الظلم يا رفيق؟ أم إنّك تراه مقولة ميتافزيقيّة ترفضها؟ الظلم يا رفيق ناقض للفروسيّة، فاختر لنفسك أن تكون ظالما أو فارسا؟

7. قل لي بربّك،

هل ترى في أنصار مشروعك الذي أنتج انقلابك على الديمقراطية، هل ترى فيهم أيّ ذكاء؟ انظر في الإعلاميين والبرلمانيين وفي الوزراء والمدراء، هل ترى في احد من هؤلاء حدّا أدنى من ذكاء؟ بل هل ترى في أحد منهم عقلا ممكنا؟ أبمثل هؤلاء يمكن لصاحب رسالة أن يترجم رسالته التي يدّعي أنّها عابرة للعوالم والقارّات؟

8. لعلّك تتساءل : وما علاقة هذا بالحرب؟

الحرب، يا رفيق، هي أقصى الظلم الذي تمارسه سلطات الاحتلال على الشعب الفلسطينيّ المظلوم. وليس لنا أن نتغلّب على محتلّ أجنبيّ إلّا بأن نتخلّص من محتلّ “وطنيّ” يشن حربه على مخالفيه ليحكمهم كما يريد لا كما يريدون لا لفضيلة لديه إلّا تخيّله أنّه الأذكى الذي “يتفوّق على الحمقى”. بل لا فرق، عندي، بين ظلم ذوي القربى وظلم ذوي البعدى. الظلم واحد، كلّه مؤذن بخراب العمران. والشعب الذي يحكمه حاكم ظالم لا يمكن أن ينجح في مقاومة أجنبيّ إذا احتلّ وطنه.
ألم ترَ كيف أنّ ما يردّده المستبدّ بشأن مخالفيه ليس سوى نسخة ممّا يقوله المحتلّ بشأن مقاوميه؟ يصف المحتلُّ الأجنبيّ المقاومين بأنّهم مخرّبون ويقول الحاكم الوطنيّ عن المعارضين إنّهم يريدون تخريب الدولة من الداخل. ذلك هو كلّ الفرق.

• رضا شهاب المكي الملقب بـ”لينين”، فقد كان أبرز المقربين من سعيد، ومن خلاله تم التعرف على أفكار الرئيس، حتى إنه أصبح ضيفًا قارًا للعديد من الوسائل الإعلامية للحديث عن نشاط الرئيس وبرامجه.

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock