تدوينات تونسية

في حدود الوطنية عندما تكون مظلوما

كمال الشارني 

عاد من باب الطرافة، هاكه العام زمن بن علي، قال لنا محام قفصي طريف: “الواحد بلغ في بلاده مرحلة أصبح فيها اللجوء إلى سفارة دولة قوية عملا وطنيا”،
قلنا: “هذا لا يجوز أستاذ؟”،
قال: “على الأقل، الواحد يقول واك يسمع به العالم وتتحدث عليه الأخبار، هذا خير من أن يموت في صمت ويسجن في صمت”،
قلنا: “إي أستاذ أما ديما تبقى دولة قوية وتدخلا في شؤوننا”،
قال: “يا ولدي لما يدور حبل المشنقة برقبتك لمجرد أنك تختلف مع الحاكم بتهمة الخيانة، تصبح كل أشكال البقاء على قيد الحياة وحماية الزوجة والأبناء شرعية بما فيها الاتصال بالخارج طلبا للنجدة، شنية الوطنية التي تطلب من الضحية الصمت فيما الجلاد يمزق لحمه؟”،

خلينا من الطرافة، الولايات المتحدة لم تتهم إدوارد سنودن الذي فضح كل ألاعيب المخابرات الأمريكية ولجأ إلى عدوها اللدود أو جوليان أسانج صاحب مبادرة ويكيليكس بالخيانة أو العمالة، فقط هما فعلاها عن قناعة وطنية أيضا وأمريكا تريد معاقبتهما على خروجهما عن القانون الأمريكي وليس العمالة أو عدم الوطنية، لماذا لا تسمع أبدا بشكوى مواطنين أوروبيين أو أمريكيين من الظلم أو القمع؟ لأن عندهم قضاء عادل وأمن لا يعمل بالتعليمات،

حسنا، الآن، ماذا كان سيحدث لو نجح وفد الاتحاد الأوروبي في الدخول إلى تونس ولقاء المعارضة والمجتمع المدني؟ تاريخيا عندنا طريقتان: بورقيبة لم يكن يهتم بتلك اللقاءات لأنه يعرف أن تقارير القناصل والبعثات الديبلوماسية أهم ولم يكن يهتم باتهام أحد بالخيانة أو العمالة للخارج، كان يفضل “قتل” من ينافسه على الزعامة والسلطة في تونس وخارجها ورمي جيلا كاملا من المناضلين في أوضاع الموت البطيء أمام محاكم أمن الدولة التي عوضها الآن قضاء الإرهاب، وقتها كان ثمة مراوحة بين الغرب الأمريكي والشرق السوفياتي وعدم الانحياز “ساعة ساعة” حسب الظروف،

الجنرال بن علي كان يفضل طرقا أكثر حقارة: إطلاق أيدي البوليسية ضد المعارضة بالضرب واختراع القضايا وفيديوهات التشويه الأخلاقي والاختطافات العشوائية في الشارع أو في الفجر وحتى انتداب المنحرفين لتصيد رموز المعارضة وضربهم، وصل به الأمر حد إعطاء الأمر بضرب صحفي ليبيراسيون بسكين في أول نهج مرسيليا أمام عيون العشرات من البوليسية، إرهابا لهم، طبعا مقابل هدايا ملكية لمن يمدح النظام ويتعاطف معه ضد مواطنيه،

أي؟ في الآخر؟ ماذا لو دخل وفد الاتحاد الأوروبي والتقوا الجميع، هل سيكتشفون شيئا خفيا لا يعرفه العالم؟ هو فايس بوك وحده يعرف ما إذا كانت تبحث عن أرض فلاحية في مرناق لأنه عندك 200 مليون كاش أو عن دواء صيني لمرض سلس البول أو المفاصل أو أنك تاجر سيارات خارج القانون؟ أين تبدأ الوطنية وأين ينتهي تحمل الألم مثلا؟ لماذا علينا أن نعيد هذه الأسئلة منذ 1954

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: