تدوينات تونسية

خريطة الباك..

محمد ضيف الله

يظهر من خلال جدول ترتيب المندوبيات حسب نسب النجاح في الباكالوريا 2023، أن 14 مندوبية تفوق المعدل الوطني، وجميعها لها منافذ على البحر، مقابل 12 مندوبية تحت المعدل الوطني وجميعها يولايات داخلية. هل هي صدفة وهذا الجدول مماثل تقريبا لجدول السنة الماضية وجداول السنوات قبلها، مع بعض الاختلاف في ترتيب هذه الولاية أو تلك، إلا أن التقسيم بقي نفسه تقريبا بما هو تقسيم طولي بين ولايات بحرية شاطئية (حتى نتجنب الخلط عندما نقول ساحلية)، وولايات داخلية، قلت هل هي صدفة؟ أم يمكن تفسير الأمر بنسيم البرّ ونسيم البحر، فمن هبّ عليه هذا تفوّق ومن هبّ عليه ذاك تأخر؟

خريطة الباك لو تتثبّتون منها تنطبق تماما -مع فروقات بسيطة- على الخريطة الاقتصادية، أو الخريطة الصناعية، وبالطبع الخريطة السياحية، هي نفسها خريطة الطرقات السيارة، وخريطة الاستثمارات منذ الاستقلال، وخريطة الكثافة السكانية، وهي خريطة التنمية البشرية، تتجسم فيها تماما خريطة البطالة، أو خريطة الهجرة السرية. ففي كل تلك الخرائط لونان دائمان يشقان البلاد طوليا بين تونس الأولى الصالحة وتونس الثانية العاجزة.

خريطة الباك بكل تأكيد لا ينعكس عليها توزيع الذكاء، ولا هي تجسم التفوق والتميز فطريا أو البذل والجهد والجدية الموروثة، ولا يمكن بالتالي أن تكون مدعاة للفخر أو الفرح هنا أو هناك، هي لا تعكس التضحية أو الرهان من أجل التعليم من جهة والكسل أو الغباء من جهة أخرى، وإنما هي تعبر أكثر من ذلك عن توزيع لا متساو للفرص، هي تجسم تماما اختلال التوازن الجهوي، وتكشف بوضوح عن فشل الدولة وعن خيبة المشروع الوطني.

والمشكل أن هذه الخريطة يتكرر رسمها أمامنا كل سنة، ولا يلتفت إليها المعنيون المباشرون بها، من الوزارة إلى رجال التعليم برتبهم، إلى النقابة إلى الدولة برمتها، كأنهم يتقبلونها نوعا من القضاء والقدر أو الحتمية التاريخية؛ أو كأنها -لنقُل- لا تعنيهم، والدليل أنها تتكرر أمامنا سنويا بنفس اللونين.

الأخطر من ذلك أن هذه الخريطة تبقى نفسها خريطة البلاد لجيلين قادمين لو سعينا لتداركها اليوم، ودون ذلك فهي خريطة لبلد بسرعتين مختلفين إلى أن ينبثق مشروع وطني فعلا.

ملاحظة: صدر هذا المقال أولا، بجريدة “الزراع” الإلكترونية الغراء.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock