مقالات

لماذا أنجب علماء الدين أعتى العلمانيين في تونس ؟!

بشير العبيدي‎ 

في المجتمعات البشرية، توجد ظاهرة معروفة عند علماء الاجتماع تسمى تغيير المنوال الاجتماعي، ويحصل ذلك عندما تحدث تحولات عميقة في المجتمع خصوصا في فترات الأزمات، ومن ملامحها إعادة النظر في منظومة القيم والمنوال الاقتصادي وعلاقات التحول والتحويل والأدوار الاجتماعية الخاصة بكل فئة.

النخبة المثقفة في تونس كانت تحكم مجتمعا عربيا مسلما خلال القرون الأخيرة انطلاقا من قيم كانت سائدة في المجتمع وهي مستقاة بالأساس من الشريعة الإسلامية ومن دور الحاكم في حماية الدين ومن خلاله حماية المجتمع المسلم. ويمكن مراجعة المحافيظ التونسية خلال القرون الأخيرة ونمط الخطاب السياسي وخصوصا كتابات ابن أبي الضياف وخير الدين باشا وغيرهما وسنكتشف أن منظومة القيم قائمة على الشريعة لأن المجتمع رتّب هذا القيمة في وعيه الجماعي، فكانت النخبة لا تستطيع الارتقاء للحكم إلا على سلّم هذه القيمة. حين كثر الاستبداد والظلم والفساد وأدى ذلك إلى ضعف المجتمع وانتصاب الاستعمار الغربي، حدثت تغييرات بطيئة لكنها عميقة وهي أن منظومة القيم تآكلت بالكامل، ولم تتجدد ولم تنتبه النخب القديمة لخطر هذه التحولات فانكفأ البعض على أنفسهم وخلع البعض الآخر ربقة القيم الموروثة وصار يدعو صراحة للاستبدال الكبير أي إحلال قيم الغرب محل قيم المجتمع الأصلي، وصارت القيم الغربية ينظر إليها أنها عنوان النجاح الاجتماعي والسياسي والفكري، وفق قاعدة المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب، وشمل ذلك النخبة بالأساس وهي التي بدأت بإرسال أبنائها للعواصم الغربية للدراسة، فحدث تغيير جذري في المنوال الاجتماعي، فلا العوام بقوا يعتبرون الشريعة مرقاة للسلطة ولا النخب رأت أن تحافظ على منظومة القيم التي كانت تحكم بفضلها، فالتقى مفعول الحنة مع رطابة اليدين!

المسؤولون عن هذه النتائج جماعة منهم الجامدون من المحافظين الذين لم يتحركوا في الوقت المناسب لإصلاح ما يجب قبل طوفان التغريب، والنخب التي كان تدينها أكاديميًا أو قشريا وتخلت عنه لأن التدين لم يعد قيمة كبرى في المجتمع، والشعوب من التبّع التي لم تنتبه للخطر في الوقت المناسب (شخصيا حين بدأت الالتزام بالصلاة كانت السخرية والتندر تتم في محيطي العائلي). ثم جاء دور الاستبداد السياسي الذي عمق الجروح وساهم في تدمير المجتمع بالتحديث المفرغ من محتواه (تغريب دون حرية وبلا ديمقراطية)…. مع وجود تيارات سياسية محافظة تدافع عن الدين لكنها لم تستطع رغم جهودها دحر آلة الاستبداد والتغريب لأن الأمر بلغ المفاصل الأساسية للمجتمع وأحكمت العلمنة سيطرتها على الإعلام والتعليم والاقتصاد والثقافة بينما بقيت الحركات المحافظة على الهامش…

طبعا المجتمع يقوم بالاختزال في التفسير من قبيل النار تخلف الرماد وما شابه، والأمر بحاجة لعمق في الشرح والتوصيف لأنه ليس بهذه السهولة تتغير المجتمعات فهي كيمياء شديدة التعقيد.
فكانت النتيجة ما رأينا ونرى…

الآن، ما العمل؟ أرجح وفق تقديري التفكير في إنجاز ثورة ثقافية أخلاقية قيمية في المجتمع ، وستكون نتيجته ثورة سياسية. الثورة السياسية التي قامت قبل سنوات تم إجهاضها ولم تستطع المقاومة لأنها لم تشمل الإعلام والتعليم والاقتصاد والثقافة…

كيف تولد ثورة ثقافية أخلاقية قيمية ؟

العلمنة في البلاد العربية هي أقليات أيديولوجية مرتبطة وجوديا بمصالح فئوية وعلاقات بينية دولية، وتتغذى بالأساس من حالة سائدة هي (مجتمعات الكثرة المرتخية والمستقيلة)، وهذه الأقلية تخاف حد الرعب من فكرة الديمقراطية وهذا سبب التحامها مع الثورة المضادة لأنها تخشى من صناديق الاقتراع التي ستفضي لاختيار حكام لا يمشون في خطها، ولكن دخل على الخط عامل جديد لم يكن سابقا هو الثورة المعلوماتية في العالم.

الحل وفق تقديري: يجب تحديد رؤية تغييرية متماسكة للخمسين سنة القادمة أولا ثم ينبغي أن تنظم أعداد مؤثرة من المجتمع نفسها في شكل شبكات عابرة للأقطار والحدود وتلتحم بقضايا القطر وقضايا الإقليم وقضايا العالم وتقوم بتنضيج بدائل واقعية تمتاز بالصلابة الفكرية والثقافية والاقتصادية ومنصهرة مع تطلعات الناس في خطوطها الكبرى، وستنجح في دحر التفكير التغريبي حين يرى الناس النتائج الواقعية لمثل هذه الرؤية.

استخدام العربية الفصيحة أساس هذا التغيير لأن ترويج العاميات يصب مباشرة في صالح العلمنة.

في الوقت الحالي، النخب الرافضة للتوجه العلماني قضاياها الهوية العائمة التي لا تعني شيئا من الناحية العملية، وهي نخب صادقة لكن الصدق لا يعني الصواب، وهي منقسمة ومحبطة وغير متعاونة بينها وخطابها ماضوي وعلاقتها بقضايا العالم المعاصر مهزوزة وضعيفة ومشكلتها أنها بلا رؤية أصلا. وفاقد الشيء لا يعطيه.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock