مقالات

الدولة ورموزها من قهر الدولة إلى موتها

نور الدين الغيلوفي 

عن ضرورة موت الدولة في المجال العربيّ

((قفز الأبله إلى وسطهم واخترقهم بنظراتٍ من عينيه.
– أين الإله؟ صاح فيهم
أنا سأخبركم! لقد قتلناه، أنتم وأنا! نحن جميعًا قتلة. مات الإله! ويظل الإله ميتًا! ونحن الذين قتلناه! كيف يمكننا أن نعزّيَ أنفسنا، نحن أكبر القتلة؟ إنّ أقدس ما امتلكه العالم وأعظمه قد نزف دمُه حتى الموت بطعنات مُدانا.
من سيمسح هذه الدماء عن أيدينا؟ أي ماء سيطهرنا؟ أية مراسمٍ تكفيرية؟ أية ألعابٍ مقدسةٍ يجب علينا أن نبتكر؟ أليس عِظَم هذه الفعلة شيئًا يفوق طاقتنا؟ ألا يجب علينا أن نصير نحن أنفسنا آلهة لمجرد أن نبدوَ جديرين بهذه الفعلة؟ لم تحدث أبدا فعلة أعظم من هذه وكلّ من سيولد بعدنا سينتمي بمقتضى هذه الفعلة نفسها إلى تاريخ أسمى ممّا كان عليه التاريخ حتى الآن))
– نيتشه: من كتاب العلم المرح – الكتاب الثالث: فصل الأخرق 

••

كنّا أعداء الدولة والدولة هي عدوّتنا. هكذا ورثنا إضفاء الطابع المؤسساتي على الاستحالة، والاغتراب الذاتي، وكراهية الذات عندما فكّرنا في استيراد فكرة الدولة القوميّة، لنصبح في طور “الحداثة”. في نهاية حقبة ما بعد الاستعمار للمشروع الأوروبي، تم تصويرنا كأجانب دائمين، حتى ونحن في أوطاننا)).
حميد دباشي

••

1. تحدّث المؤرخ الألماني، أرنست كانتوروفيش عن الملك/ الحاكم الذي يفنى منه جسده البيولوجيّ ويبقى جسده الرمزيّ خالدا خلود الدولة.
عندما يلحّ قيس سعيّد على أنّ الدولة واحدة ويؤكّد وجوب تقديس رموزها فهو لا يقصد من كلّ ذلك أحدا غيره. يتوهّم أنّ الدولة قد حلّت فيه وأنّه قد حلّ فيها حتّى صارت هي هو وصار هو هي.

2. الدولة التي يتحدّث عنها قيس سعيّد هي تلك التي يراد لها أن تحلّ محلّ الله في الناس. ويصرّ، في خطابه، على أن يتماهى مع الدولة كما لو أنّها خُلقت يوم جلوسه على كرسيّ الرئاسة.. لذلك لا يراها تعني غير شخصِه، وشخصُه صار ملتبسا بصفته التي خلعها الشعب عليه. صفة رئيس الدولة وقد بات يفهم انتخابه تفويضا ميتافيزيقيّا أبديّا كما لو أنّه نبيّ مرسَل من السماء، على أنّ الأنبياء يموتون.

3. نيتشة تحدّث عن موت الإله ليطلق إرادة الإنسان الذي صار محمولا على التعويل على نفسه بعيدا عن الجدران الغيبية التي كان يستند إليها ويعوّل عليها وعن الأسقف الميتافيزيقية التي كان يلجأ إليها ويحتمي بها. غير أنّ الحقبة الاستعمارية التي تمثّل لحظة احتكاك العرب بالحداثة واصطدامهم بها قد زرعت في مجالهم آلهة أخرى الكلّ محمولون على عبادتها، وتلك الآلهة هي الدولة التي صارت هي الكيان المقدّس وصار الحاكم بدوره مقدّسا لأنّه حارس البيت المقدَّس وظلّ الله/ الدولة على الأرض. على أنّ الدولة الأمّة في مجالنا العربي لا تعدو ميراث هتلر وموسوليني.

4. لا أحد من الذين حكموا في العشرية السابقة كان يدّعي أنّه هو الدولة ورغم ما كانوا يعانونه من أمواج عاتية تأتيهم من الداخل ومن الخارج لا أحد منهم حفر خندق الاستثناء الذي تعيش فيه البلاد في هذه الفترة، ذلك لأنّ هؤلاء كانوا مطمئنين إلى أنّ الديمقراطية تدافع عن الدولة باعتبارها عنوان الاجتماع السياسيّ. أمّا الانقلابيون الذين يصرخون بالدولة ويردّدون خوفهم عليها فلا تعنيهم غير كراسيهم التي يشفقون عليها من الشعب الذي يتحكّمون فيه ويدّعون بأنّهم يمثّلونه ويحتكرون الحديث باسمه.. الدولة بالديمقراطية تكتسب شجاعتها التي قد تصل درجة من التهوّر تنتهي بها إلى الغفلة فتجني على نفسها بانتخاب تنّين يخرج على الناس بقناع اسمه الدولة. الدولة في زمن التنين تكون خائفة ترتعد ولأنها خائفة ولأنّ الخوف مُعْدٍ فهي تعمد إلى نشر الخوف بين الناس.

5. كان لا بدّ أن يموت الإله في الفضاء الغربي ليتحرّر الناس من نمط حكم تدّعي فيه السلطة السياسية أنّها تستمد شرعيتها منه ويدّعي الحاكم أنه يحكم باسمه ويستجيب في حكمه لإرادته ، ويحمل بذلك الناس على طاعته والتسليم له لأنّه مخصوص بالحق الإلهي.

وفي المجال العربيّ كان لا بدّ أن تموت دولة ليست أكثر من رئاسة قهرية تخرق الدستور وتعتمد دستورا تعسفيا غير مكتوب.. ذلك هو دستور قيس سعيّد الذي عبّر عنه بقولته عنه الشهيرة “الدستور مكتوب على الجدران”.

دستوره الذي وضعه إنّما وضعه مكرَها ليكسب رضى دوائر الرعاية وأكبر دليل على أنّه ثمرة إكراه “تسرّب” عشرات الأخطاء إليه. أو لعلّ الأخطاء كانت مقصودة حتّى تجد الاستهانة بالدستور ما يبرّرها بين الناس.
لقد خرقها ليغرق أهلها وليس له قدرة على تفكير ولا صبر له على تعبير ولا كفاءة لديه لوضع الدساتير. ولأنّه عاجز عن التأثير قاصر عن الإقناع فهو ينصرف إلى الالتحاف بالدولة رداءً ألسبته إيّاه الغفلة لا يريد أن ينزعه..
خشية التعرّي…
والعاري لا يصلح رمزًا
العاري لا يرمز إلّا لنفسه.

اترك رد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock