تدوينات تونسية

انتهت السياسة في تونس

مصدق الجليدي 

لم تكن هنالك سياسة في تونس قبل فترة الاحتلال الفرنسي لتونس. كان هنالك “الله ينصر سيدنا” وكان مراد بوبالة (مراد الثالث. ت. 1702م).

في فترة الاحتلال ومع امتدادها الزمني لعشرات السنين حدث تأقلم لدى جانب من السكان وجانب من النخب مع حالة الاحتلال، وظهرت السياسة. أي في تلك المنطقة الرمادية بين رفض الاحتلال وقبوله ببعض ضروب التكيف وأنماط من “المعارضة”. الثعالبي نفسه كان يتحرك في هذه المنطقة. كان يقترح حلولا لمشاكل التونسيين مع السلطات الفرنسية تحت سيطرة هذه السلطات. وجاء بورقيبة بمنهج آخر في التعامل مع الاحتلال الفرنسي: التصادم والتفاوض. وحين تحصل على الحد الأدنى الذي يبتغيه طلب من “الفلاڤة/ المجاهدين” تسليم سلاحهم.

في ظل الحكم البورقيبي الفردي كانت هنالك أيضا سياسة ولكن في هامش محدود جدا. وكان هنالك هامش لصحافة الرأي السياسي المعارض. جريدة الرأي خاصة التي كانت مدرسة لزعماء المعارضة البارزين لاحقا زمن بن علي. من بينهم المرزوقي.

في عهد بن علي شهدنا تشكل أحزاب معارضة وأحزاب موالاة. وكانت فترة حقوقية بامتياز.

بعد انقلاب 25 جويلية 2021، تفاعلت الأحزاب مع هذا الحدث/ الحادث incident/ accident كما تتفاعل الشاة في أولى اللحظات التي تلي الذبح وهي تظن أنه بإمكانها بالانتفاض العنيف أن تنجو من الفناء. تحركت بمنطق سياسي ثم بمنطق مزدوج سياسي/ حقوقي.

الآن اتضح بالكامل أن السياسة في تونس قد ذبحت من الوريد إلى الوريد. لم تعد هنالك منطقة رمادية يمكن التحرك ضمنها والتعلل بالإصلاحية. إصلاح الإصلاح، أو تصحيح مسار التصحيح.

جبهة خلاص نجيب الشابي كانت في البداية مخدوعة باللعبة السياسية واستمرت تتكلم بلغة الحوار، وترجو أن يكون المنقلب نفسه طرفا في الحوار، حتى تيقنت من استحالة هذا الأمر، فأعلنت ما ليس منه بدّ: المقاومة. مقاومة الانقلاب. فهمنا هذا مبكرا وجاهرنا به وأسيء فهمنا وفهم قصدنا. واليوم هنالك ما يشبه الإجماع حول هذا الأمر. إلا من انتهازيين وذرّ تلعب…

لن تعود السياسة في تونس إلا بسقوط الانقلاب. أي لن يكون هنالك عقد اجتماعي سياسي حقيقي إلا ببناء جديد للديمقراطية.

اترك رد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock