تدوينات تونسية

أنواع المعارضة لقيس سعيد

عبد الحق الزمّوري 

تعرف الساحة ثلاثة أصناف ممن يمكن أن نصنفهم في خانة معارضة الرئيس قيس سعيد وحكمه اليوم (يبقى التفصيل في الدرجة)، والتي تهدف في الأقصى إلى الإطاحة به:

أولا: من عارض انقلابه منذ البداية معارضة سياسية وقانونية، ومن التحق بهم على مر الأشهر من سياسيين ونقابيين ونخب ثقافية وجامعية ومجتمع مدني ورجال أعمال… الخ. وقد أصبحت المواجهة بين هؤلاء وسعيد مواجهة شاملة ومتجذرة، وانقطع بالتالي أي أفق للإبقاء على منطقة وسطى قد يضطر هؤلاء وأولئك إلى الولوج إليها بحثا عن مخرج. وهذه معارضة معلومة في أعمها الأغلب، ويمكن رؤية بعض أدوات معارضتها رؤيا العين، وان كانت لا تخلو من أدوات أخرى يعلمها المدقق.

ثانيا: هناك معارضة أصلية لكل سلطة، باعتبارها هي السلطة (في منظورها هي)، أفرزتها الدولة التابعة في فضائنا العربي الإسلامي (وَهْمُ الدولة الوطنية الحديثة)، وهي جسم الإدارة، أو ما يطلق عليه في الأدبيات السياسية بالدولة العميقة (وهذه في الحقيقة أعم وأشمل، ولكن تبقى الإدارة نواتها الصلبة). الإدارة موالية لكل سلطة جديدة ما لم تمسّ جوهر تشكلها ولا عقلها العملي. بل قد توفر لتلك السلطة “الناشئة” بعض ما تحتاجه من مساحات استقرار … “ووهم” تمكّن… تحكم ولا تظهر في الصورة… هي القوة الصلبة الحقيقية. ويُتهَمُ قيس سعيد بالاعتماد على تلك القوة حصرا لتنفيذ انقلابه، فهل يعقل أن تنقلب عليه بتلك السرعة؟ جسم الإدارة عقلٌ، وحركته لا تعرف الاعتباطية. ومن ميزات هذا العقل – السلطة أن وتيرة معارضته / موالاته تحكمها معادلات عقلانية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أنه إذا ارتفعت أصوات الحكام الفعليين في هندسة الإقليمي والدولي بما يُفهم منه تحذيرا للسلطة القائمة واعتراضا على بعض توجهاتها، عمدت الإدارة بشكل أوتوماتيكي إلى فرملة كل شيء، فتتعطل دواليب الحاكم، ولا يجد لإنفاذ قراراته من سبيل. وهو تماما ما نلاحظه في المدة الأخيرة من امتناع الإدارة عن التجاوب الفعلي مع الرئاسة بالرغم من إدخال جرعة من رجالات قيس سعيد فيها (أو هكذا يُعتقَدُ)، وذلك حالما احتد خطاب الأمريكيين والأوروبيين الموجه لسعيد وحكمه. نحن في طريق لزجة من تحول سريع لعقيدة الإدارة بخصوص الحكم الجديد.

ثالثا: أخطر أنواع المعارضة، وأكثرها مضاء في توفير الأرضية لإسقاط الحاكم، وتمكين المعارضتين الثانية والأولى من قطف الثمرة عند نضوجها، هي ما يأتيه الحاكم نفسه، وما تأتيه دائرته القريبة (عائلته بشكل خاص) من أفعال أو من “غباء” يمهد به اتخاذ القرار بإزاحته واستبداله. في الحالة التونسية يكون ذلك (في المشهد الحالي) عبر مسارات متزامنة ومتقاطعة، بالنفخ في صورة أحد المقربين من الحاكم (بالون اختبار، وربما تنفيذ)… بتحرك لوبي كبير، في حالتنا لوبي الساحل الذي يعبر عنه وراء الستار محافظ البنك المركزي السابق ذو الحظوة والتأثير على كثير من مدنه كطبلبة وغيرها، مدعوما برجل أعمال نافذ جدا منذ أربعين عاما، وبمباركة غير حاسمة (للمصلحة) للوبي الصفاقسي. واذا لم يقع الإنتباه لقطع هذا “الحبل السري” فإن الاستبدال حاصل لا محالة، دون أي ضمان لتغيير ما في المشهد.

تصبح تلك المعارضة أكثر قتامة إذا علمنا أن اللامبالاة من جهة، وانهيار المنظومات القيمية من جهة أخرى، قد رمت بالناس البسطاء في خانة المعارضة السلبية (انفضوا من حولك وتركوك قائما)، أو بالأحرى خانة الانتحار والصامت… ما نسمعه عن تضاعف عدد محاولات الهجرة غير الشرعية إلى الضفة الشمالية للمتوسط من ولاية واحدة في ظرف وجيز ضوء أحمر كبيييييير … لمن يتدبر.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d