الجمعة , 18 سبتمبر 2020

حتّى لا تبيد العرب

نور الدين الغيلوفي 

تجريح للتعديل

(يُقرأ على مهل)

أخشى أن تكون هزيمة خليفة حفتر وخروجه من المشهد الليبيّ مقدّمة لخروج حركة الشعب القوميّة العربيّة التونسيّة من المشهد السياسيّ وتلاشيها من الشاشات كلّها.. فالرهان على العسكر ينتهي بنهايتهم.. والعسكر لا ينفعون أحدا حتّى أقرب أوليائهم إليهم.. العسكر لا أنصار لهم، بل لديهم أتباع يستعملونهم لا يرون أنفسهم إلّا باستعمال مراياهم…

لقد عرفت بعض البلاد العربية أنظمة عسكريّة شموليّة صنعت لها أتباعا استعملتهم للتنغيص على الأنظمة المنافسة لها.. والقوميون في تونس لا يُفهم وجودهم خارج الخلافات التي كانت بين بورقيبة وعبد الناصر، وبين بورقيبة والقذّافي… ولمّا كان القذّافي مقرّبا إلى بن علي فقد خرج القوميون في تونس من مدار المعارضة طوال العهد النوفمبري.. لذلك يحقّ للنائب سالم الأبيض أن يعيّر زميله النائب عبد اللطيف العلوي بأنّه لا يصلح طالبا يدرس عنده في المدرّج.. وهو يعرف جيّدا أنّه بينما كان هو يعدّ رسالة الدكتوراه آمنا مطمئنّا، كان العلوي ينتقّل بين سجون النظام ظلما وعدوانًا…

بعيدا عن الاتّهامات المجانيّة التي لا تعني من الحقيقة شيئا يمكن أن نزعم أنّ حركة الشعب قد فشلت في أن تكون تونسيّة.. ولا تزال لا ترى نفسها خارج الصراعات الدائرة بين أنظمة عسكرية مستبدّة وشعوب تائقة إلى التحرّر.. حركة الشعب القومية العربيّة لا ترى نفسها ضمن اللحظة الانتقالية التي تشهدها تونس وهي تبني شروط دولتها الديمقراطيّة…

وليس تحالفها مع الفاشية عبير موسي مجرد أمر عرَضيّ بل هو تحالف موضوعي يتمركز حول موقفهما الجامع من الثورة..

عبير موسي ترى في الثورة لعنة أصابت تونس ولا بدّ للعنة من أن تنتهيَ في أسرع الآجال ولو ضحّت بقايا التجمّع المنحلّ بالشعب في سبيل إنهائها.. لذلك فهي لا تخفي تبعيتها لمحور الشرّ العربيّ ممثَّلًا في أنظمة دول الإمارات والسعودية ومصر وسوريا…

أمّا حركة الشعب فرغم انخراطها في المشهد السياسي ضمن حزب يتناقض مع قناعاتها التي لا تزال عند عبارة “من تحزّب خان” الشهيرة، إلّا أنّها لا تخفي اعتبارها لثورات الربيع العربي ثورات عبرية تعكس مؤامرة كونيّة على الأمّة العربية التي كانت تنعم بالتقدّم والازدهار والمَنَعة…

فهم لا يؤمنون بالثورة إلّا إذا قادها زعيم فذّ من حوله مجلس قيادةٍ للثورة عناصره من صنف العسكر كلّهم…

لا فرق بين عبير موسي وحركة الشعب في العمق.. إلّا أن عبيرا كانت في عهد التجمّع مكلَّفة بمهمّة معلومة بينما كان منتسبو حركة الشعب يتحركون أحرار بين الإدارات والنقابات والجمعيات لا يَخشَون ولا يُخشَون… وقد انخرطت بعض قياداتهم في حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدويّ الذي كان ضمن الأحزاب الكرتونية التي ظلّ بن علي بستعملها واجهةً لديمقراطيته.. ومن بين هؤلاء محمد مسلّيني وزير التجارة في حكومة الفخفاخ الذي كان عضو مكتبه السياسي مكلَّفا بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية.. وقد كان للحزب نصيب في برلمان بن علي.. ويُذكر من برلمانييه السيد عبد الكريم عمر عضو المكتب السياسي المكلّف بالإعلام… بل إنّ منهم من كان يعمل ضمن صفوف التجمّع المنحلّ الخلفيّة…

هذا ليس تجنيا على أشقّائنا القوميين بل هو وصف موضوعيّ لحضورهم قبل الثورة وبعدها.. من حقّنا أن نقول فيهم ومن حقّهم أن يفنّدوا ما نقول ما دمنا نتنفّس الحرية قبل أن نُجرَّ إلى المحاكم العسكريّة بتهم التآمر والخيانة والعمالة للعثمانيين والقطريين وكلّ أبناء الشيطان الرجيم…

أشعر بالحزن حين أرى حاملي لواء العروبة متعلّقين تعلّقا عضويا بزعماء العسكر في مختلِف الدول العربية… والعسكر بطبعهم، إذا هيمنوا على السياسة، كفّت الشعوب عن أن تكون شعوبا وتحوّلت إلى قطعان عبيد تُسحَق تحت أحذية عسكر لا يرون الحقّ خارج فوهات بنادقهم.. كذلك يصنع عبد الفتّاح السيسيّ بالمصريين.. ويفعل بشار الأسد بالسوريين.. ويفعل خليفة حفتر بالليبيّين.. كما فعل من قبلهم القذّافي وجمال عبد الناصر وعلي عبد الله صالح بشعوبهم التي حكموها بلا ديمقراطية ولا أحزاب ولا انتخابات.. وليتهم فعلوا لبلدانهم شيئا بقيَ بعدهم…

كيف يحكم العسكر؟

للعسكر في الحكم خطّة معلومة:

لا بدّ من عنوان ترفعه أنظمة العسكر: عدوّ أجنبيّ يتربّص بالأمّة دَحْرُهُ أولويّة الأولويّات وكلّ المعارك مؤجَّلة حتّى يُدحرَ…

العدوّ يبقى يتمدّد يعلو صوته وتطول حِرابُه…

الشعوب تُسحَق والأرضُ تضيع والحروب تنتهي إلى هزائم…

وإذا هجم العدوّ على البلاد هجوما أجابوا بجملة واحدة “نحن نعرف كيف نردّ ومتى نردّ”… ولقد احتل الصهاينة هضبة الجولان السورية ولطالما تحرّشوا بالدولة السورية.. ولكنهم لم يلقوا ردّا في عهد حافظ الأسد ولا في عهد ابنه بشّار من بعده… وظلّت ضربات العدوّ تتراكم.. وبقيت الجملة ذاتها تتكرّر.. وعلى ذلك عاش حافظ الأسد.. ويعيش بشار ابنه وذلك ميراث ابنه من بعده…

ضاعت سينا المصريّة.. وضاعت الضفّة الغربيّة الفلسطينيّة والشعب المصريُّ يُسحَق.. وضاعت الجولان والشعب السوريُّ يُقهَرُ… وضاعت ثروات الشعب الليبيّ الطائلة وظهور أبنائه تُجلَد.. وبعد ثنتين وأربعين سنة خرج أبناء الشعب الليبي أسوة بإخوتهم في تونس مطالبين بحقهم في الحرية فقال لهم الأخ القائد العقيد معمّر القذّافي رحمه الله: من أنتم؟ وأخذ يطاردهم بجنوده “شارع شارع.. زنقة زنقة.. دار دار”…

ظلّت أنظمة العسكر تحكم وكلّما ضجّ من الشعوب فرد أو حزب أومجموعة صُبّت عليهم نعوت التخوين والتكفير والتأثيم، فمعارضو الأنظمة العسكرية موزَّعون بين خَوَنة صنعتهم المخابرات الاستعماريّة وفئات ضالّة وقرامطة خونة أوطان، وإخوان مجرمين أو رجعيين ظلاميّين أو عملاء للصهيونية والامبرياليّة العالميتين…

ومن ذلك المعجم نهل إخوتنا القوميون لا يحسنون غيره إذا وصفوا من خالفهم إلى ما يرون…

•••

تخيّلوا أخوين شقيقين، ككثيرين مِمّن أعرف تجاوزا التعليم الابتدائيّ إلى الثانويّ…

في المعهد تعرّف زيدٌ إلى تلاميذ إسلاميين اقتنع بأفكارهم فانخرط في التيّار الإسلاميّ.. أمّا شقيقه عمرو فكان أصدقاؤه قوميّين اقتنع بأفكارهم فانخرط في التيّار القوميّ…

الشقيقان ينامان في بيتهما بغرفة واحدة يأكلان من الطعام نفسه.. يحضنهما الوالدان نفسهما.. ويلبسان ثيابا اشتراها الجيب ذاتُه وغسلتها اليد نفسُها في ماء واحد…

فهل يُعقَل أنّ يتّهم أحدهما شقيقه بالخيانة لمجرّد أنّه فكّر بغير ما رأى؟

هل يمكن أن يكون أحدهما عميلا لمجرّد أنّه في السياسة اختار خلاف شقيقه؟

•••

كثير من الأمور تحتاج إلى مراجعة.. والمراجعة تقتضي شجاعة حتّى ترقى إلى النقد الذاتي.. فإذا نقد كلّ فصيل ذاته واتّهم حصاته سلمت مرآته وصفا نظرُه وتخلّص من المرايا المحدّبة والمقعّرة.. وقتها فقط يمكن أن يطير طائر الأمّة ويحلّق عاليا بجناحيه كليهما…

إلّم نفعل ظللنا تطحننا طاحونة الفراغ وغادرتنا الأمم إلى الأمام وبقينا وحدنا ملتفتين إلى الوراء.. نجترّ معارك قبائل العرب البائدة…

القبائل التي تحاربت عشرات السنين بقيت تسمّى قبائل عربيّة…

ولا فضل لعربي على عربيّ إلّا بالعقل والعدل…

شاهد أيضاً

تطبيع السواقط

نور الدين الغيلوفي  بين يدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حضر اثنان من أعراب الجزيرة ببدلتين …

عن سبر الآراء

نور الدين الغيلوفي  أقرأ ترويجا للفاشيّة وشقيقتها الشعبويّة بحكايات سبرٍ للآراء تقول إنّ نوايا التصويت …