الجمعة , 18 سبتمبر 2020

لماذا يريدون إسقاط التجربة التونسية ؟

بشير العبيدي 

#أقولها وأمضي 

منذ عشر سنوات، تنشط آلة إعلامية شيطانية – جهنمية في داخل تونس وخارجها، وهي مصممة على هدف وحيد لا تبتعد عنه ولا تحيد: غلق ملف الديمقراطية في تونس.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا؟ ما السبب؟ ما الذي أقلق وأوجع هذه الآلة الإعلامية والعسكرية المدمّرة من لدن شعب تونسي مسالم، وتجربة ذاتية مغايرة لكل أنواع التجارب في المنطقة والعالم؟

  • هل أقلقهم وجود تيار له مرجعية قيمية دينية – إخوانية مثلا؟ أبداً… هذا غير صحيح بالمرة. والدليل: تيارات كثيرة مشابهة ولها تشبث معلن وصريح بالمرجعية الدينية، ووصلت لمجالس نيابية عبر الانتخاب، ولم يثر ذلك أي ذعر لأحد، والتجربة ماثلة أو كانت ماثلة في الكويت، والأردن، ولبنان، والسودان، والمغرب، والجزائر، وموريتانيا…
  • هل أقلقهم “الإسلام” وعودة الإسلام الفاتح وعودة الخلافة الراشدة أو الفاسدة؟ أبداً… هذا غي صحيح. والدليل: لا توجد تيارات وازنة داخل الشعب التونسي يرفع أنصارها أو قادتها ذلك شعارا جادا، قناعة أو نفاقا أو تقية، اللهم بعض الأفراد الذين لا صدى لهم يذكر بين جماهير الناس، وغالبية هؤلاء ضعف صوتهم في فضاءات الحرية، ناهيك أن الشعب التونسي متشبث في عمومه بانتمائه دون حماس كبير لأنماط التدين الشائعة أو المائعة في مناطق أخرى من العالم الإسلامي.

  • هل أقلقهم نجاح منوال التنمية في تونس بما يطمّع بقية العرب للاقتداء بالتجربة وتنمية بلادهم؟ أبدا، والدليل: البلاد التونسية تقهقرت كثيرا في السنوات العشر الأخيرة، وقوى الجذب إلى الوراء لها سكاكين فتاكة، وأولهم اتحاد الشغل الذي تورط في ملفات فساد رهيبة، ورجال أعمال رفضوا إرجاع السرقات للدولة وهي بالمليارات، والسلطة تحاول جهدها فرض سيطرتها على مافيات مالية وتجارية واقتصادية متشابكة المصالح في الداخل والخارج، ولا شيء في التجربة التونسية يمكن أن تتصف به إلا بكونها أرخبيل جزر متقاربة تحاول كل جزيرة فيها فرض صوتها على البقية، مما جعل البلاد تعيش في فوضى مفاهيم وقيم ومصالح، لا تجعل أي شعب آخر يطمع أن ينقل التجربة لبلده.

  • هل أقلقهم الخوف من عودة تونس الامبراطورية القرطاجية أو الحفصية أو الفاطمية أو الموحدية مثلا؟ أبدا. والدليل: دبلوماسية تونس خضعت منذ سبعين حجة لمنطق الحياد السلبي، ووزاء الخارجية التونسية أقل الوزارات إشعاعا في العالم، إذ أطفأت القناديل القليلة التي كانت لها قبل الثورة، ودخلت في فترة إسبات في عزّ الصيف، وغمست رأسها في الرمل، لأن القائمين عليها وجدوا بلدا مستقل الإدارة ولكنه غير مستقل الإرادة، فغطوا رؤوسهم وناموا في انتظار فوات العاصفة… أو كذا يعتقدون.

إذن لماذا كل هذا “القلق”؟ وكل هذه القنوات الفاسدة التي تنهش تونس ليلا نهارا، عيانا جهارا، وتتوعد التونسيين بمعقابتهم والفتك بهم إن لم يخضعوا لها؟

السبب الوحيد الأوحد، في تقديري المتواضع، هو هذا: إن العداء لتونس هو بسبب المشاهد التي تظهر في مجلس نواب الشعب، ويتابعها نصف مليار ناطق بالعربية في العالم، وفيه يقوم التونسيون بالعراك بينهم، والشتم، والإهانة، والتحالف، والتخالف، وتغيير المواقف، وتبادل الأدوار، وانتقالهم من معارضة إلى حكومة ومن حكومة إلى معارضة، وبناء الأحلاف التي تدوم ساعات، وعقد الصدقات التي تصيربعد أيام عداوات، وإعلان عداوات تصبح بعد أيام صداقات، وكشف الشاجاعات والمواقف والبطولات، وفضح الملفات والفضائح والإملاءات والخيانات والعمالات وكل أنواع القبائح التي عرفتها المجتمعات، وفي خضم ذلك، يتناوب نواب على التذكير بالفضائل والخصال والمروءات، وإعلاء شأن الأوطان والهمم والذوات. وهذا الذي يحدث في مجلس يضم 217 نائبا فقط، إنما يحدث لكون هذا المجلس ضم جميع أطياف المجتمع التونسي بكل ما يحتويه من جمال وقبح، واختزل المجلس شعبا اكتشف نفسه على حقيقته في فضاء الحرية. في مجلس نواب الشعب التونسي نجد المتدين والملحد والمشاكس، والمصلحجي، والتقي، والفاجر، والمتسلق، وصاحب النوايا الطيبة، والساذج، وبائع ضميره، والخائن والمتحرق على أمته، والمناصر للربيع العربي، ولاعق أحذية أنظمة الإجرام والجور، والمذكر والمؤنث والمخنث، والكل اجتمعوا في فضاء واحد، لا يمكن معه التباعد السياسي أبدا… كما يفعل الناس مع التباعد الاجتماعي لأجل كورونا.

ولقائل أن يقول: وهل هذا المشهد الشبيه بالسوق يخيف لهذه الدرجة؟؟؟

جوابي: نعم، هذا المشهد لم يحدث في تاريخ المسلمين إلا نادرا، وهو عند العرب أندر من الكبريت الأحمر. ووجود هذه الحالة أخطر من نشر ألوف الكتب وملاين الخطب… لأنه، بكل بساطة، لا يستطيع الاستبداد أن يعتاش إلا على عنف التفرقة بين الناس، ولا يمكه خدمة مصالح الأجانب إلا بتفريق شمل الناس، وعندما سمحت التجربة التونسية ل”نحن” أن تُرى من الجميع على حقيقتها، في بيئة تؤمن بحرية الكلمة والموقف والضمير، صارت مصدر قلقل كبير. لأن هذا سيفضي عاجلا أم آجلا لحدوث ثورة معرفية عارمة في المستقبل، إذ لن يترَك حزب أو مذهب أو قائد أو زعيم بمفرده يحدد مصير ملايين الناس ويفرض عليهم رأيه وذوقه وخيانته أو صلاحه، بل سيشارك الناس، بأفاضلهم وأراذلهم في صنع نمط حياتهم بأنفسهم، بعد قرون طويلة من معاملتهم كغوغاء لا يستقيم أمرها إلا بالعصا كالبهيمة الحرنة التي ترفض الانقياد بالتي هي أحسن.

وأعتقد أن الواهمين ظنوا أن التونسيين سيعودون لما كانوا عليه قبل عشر سنوات. هيهات ثم هيهات، إن بعض الظن إثم. وإن أشد التونسيين دناءة، إنما تظهر دناءته للناس ويعرفونها بفضل مساحة الحرية. والحرية ستقوم بالتصفية المسترسلة مرة كل خمس سنوات، شيئا فشيئا، حتى يذهب الكدر عن الزيت الأصفر، ويذهب الحسك عن الصوف الأبيض، ويذهب الشمع عن العسل النصوح.

تونس من فوق الأرض في حاجة إلى الوقت. وقنوات الصرف الصحي من تحت الأرض تحتاج أن نكثر من الضغط على أزرار المراحيض. وكلما زادت قنوات الصرف الصحي من عملها، فذلك يعني أن تونس تتطهر من أوساخها أمام أنظار العالم.

أيها التونسيون: ليس المقصود بهذا الهجوم على تونس حزبا بعينه أو شخصا أو فكرة محددة. المقصود هو حرق الحرية في وطنكم بأيديكم، وخراب بيوتكم بأيديكم كما تم خراب قرطاج وحرقها بأيدي الخونة المحليين في زمن الرومان. لأن الحرية حرمت أسياد العبيد من النوم، فحركوا عبيدهم واليوم، فاقت الحرائق ثمانمائة حريق في كامل أنحاء البلاد.

انتبهوا.

بقلم✍🏽 #بشير_العبيدي | شوال 1441 | كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا|

شاهد أيضاً

قناعة بحثيّة

سامي براهم  باختصار شديد ودون فلسفة وبلاغة وإنشائيّات وتحاليل جوفاء، خلاصة المشهد أنّ ما لم …

تحالف العِبرانيين

أحمد الغيلوفي  العبرانيون هم الذين اعتبروا ثورات الشعوب ربيعا عبريا لانها اطاحت بانظمة يعتبرونها “وطنية”. لا …