الإثنين , 26 أكتوبر 2020

تواطؤ الأضداد

سفيان العلوي

ماالذي يجمع نخبا وفاعلين سياسيين متنافرين في الاصل ؟ واقع الممارسة يشير الى ان دواعي الالتقاء عديدة ان لم تكن في النظرية وتقارب اوجه النظر ففي الممارسة ونزعة الاشتباك التي لا تقوم الا بوجود خصومة وساحة معارك فعلية او رمزية ثابتة ومتحولة. ولذا يحتاج دائمآ الاضداد الى خصومة مفتوحة اكثر من الصداقات وتنشأ التحالفات لتغيير قواعد الاشتباك ومعها وبها التوازنات السياسية القائمة والمتخيلة.

ليس هناك حسم في السياسة وليس هناك اشتباك خال من المعنى والمعقولية. لكن ما يعمق دواعي الخلاف ويشحنه بنوازع حربية هو الانقسامات العمودية التي يتحول فيها الاختلاف الى وصم ونوازع ابادة سياسية وعقدة انكار تقابلها عقدة اعتراف.

وفي معرض السجال والقصف المركز الموجه للنظام البرلماني وللمؤسسة برزت الى السطح من جديد دعوات الى الاستفتاء واقرار بازمة سياسية ظرفية يلح البعض على انها هيكلية. لكن السجال يشي بتناقض كبير بين رفض التغول لاي طرف اغلبي وبين رغبة تركيز السلطة من جديد والعودة الى النظام الرئاسي. وبغض النظر عن الشخصنة العالية للصراع السياسي وشيطنة اطراف بعينها هناك اقتران يكاد يكون واضحا بين رفض النظام البرلماني ورفض الاحزاب رافعة اي نظام ديمقراطي وتعبيرته التمثيلية الواسعة خارج سلطان النخب وقوى الضغط. هذا الرفض للاحزاب له ما يفسره بين التجربة الماضية للحزب الواحد وللاحزاب الكرتونية قبل الثورة او التذرية الحزبية والانهيار السريع للاحزاب التاريخية او حديثة النشأة فضلا عن السياحة الحزبية والشعبوية المتنامية. وهذا ما يفقد الاحزاب مصداقيتها ويطبع الخطاب بتوتر عال ونزعة الى التخوين والاختراقات من كل وارد.

اغلب من يتصدر الدعوة الى تعديل الدستور لم ينجحوا في تكوين احزاب بهياكل ثابتة ولا في اقناع الناخبين بخياراتهم ليغيروا التوازنات من خلال الصندوق. وأغلبهم يرفض اقرار العتبة الانتخابية التي تمنع تذرية المشهد والسلطة. اما الرئيسي فلم يات اصلا الى القصر بحزب والطيف الساند له هلامي واغلب من صوت له ينتمي اصلا الى احزاب ولا يتماهى تماما مع افكاره.

وتأتي دعوة امين عام الاتحاد الى اجراء استفتاء حول ما اسماه تقييم طبيعة النظام السياسي وهو ما يعني ضمنيا او صراحة تعديل الدستور بصفة مبكرة ولم يقع تفعيل جل بنوده بعد لتصاعد من حجم الجدل ومزيد توتير اجواء الثقة. لا يسعى الاتحاد الى مركزة السلطة التنفيذية في يد الرئيس وهو المستفيد الاول من واقع توزيع السلطات الثلاث وتوزيعها مع قوى الضغط وهو ابرز هذه القوى. لكن للاتحاد مشكل فعلي مع الاحزاب التي تنازعه صدارة المجال السياسي وتنكر عليه الخلط بين النقابي والسياسي او تسعى الى اختراقه بكل الاشكال ولمن استطاع الى ذلك سبيلا. ولا يخفى ان المشكل مع الاتحاد ليس تسييسه فذلك من تاريخه ومن خصوصيته ولكن المشكل الفعلي هو في تحزيبه في ظل نظام ديمقراطي مما يخلط قواعد اللعبة ويخلق حالة من المغالبة تعزز المغالبة على حساب المشاركة.

يبقى ان جزءا من المشهد تتقاسمه ايضا تيارات تعارض في العمق الديمقراطية واستحقاقتها او هي تريدها على المقاس الذاتي النخبوي والطبقي والمناطقي بعد اقصاء او استئصال خصومها. وهي تستفيد من المناخ الاحتجاجي والحرية الاعلامية واعادة توزيع الحق في الكلام السياسي.

يوحي التقاء الاضداد بالاجماع المغشوش وتشكل المحاور والاقطاب وإعادة توزيع المواقع بين السلط (بالجمع) والمعارضة رغم تباعد المنطلقات والنوايا والاهداف والوسائل. ولكنه التقاء نزع الثقة في المؤسسات واعادة انتاج للازمات. يغذي الشعبوية والتلاعب بالراي العام ولا يبني.

شاهد أيضاً

الفرق بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي في المرحلة الانتقالية

نصر الدين السويلمي  النظام الرئاسي: عين المشيشي في دقيقة زن، أعلن فيها لتونس عن إسم مرشحه، …

زلزال نقابي على مقياس 7 نوفمبر..

صالح التيزاوي  وضعت أشغال المجلس الوطني للإتّحاد العام التّونسي للشّغل أوزارها، بما اشتهت إرادة الطّبوبي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.