الأربعاء , 5 أغسطس 2020

أوجعتني يا جار، لقد حطمت رأسي بالكتب

خضر الماغوط

ثورة البوعزيزي…
مضت الأيام والسنوات منذ أن كان ابني طفلا يلهو بألعابه البلاستيكية والمطاطية وهو يراني أقرأ، وعندما كبر وصار في مرحلة الدراسة الابتدائية سألني: (بابا … شو .. عم .. تقرا)؟..
أجبته : أنا أقرأ الكتب السياسية يا ولدي ..
قال : (شو … يعني)؟.
قلت له : عندما تكبر أكثر سأشرح لك .. (شو .. يعني).
صار شعر صلعتي أبيضاً، وأنا مازلت على طاولة المطالعة.

كبر ابني وصار شاباً، جلس معي مستفسراً قائلاً : أبي هذه الكتب هي نفسها على طاولتك منذ أن وعيت على الدنيا؟.
قلت له شارحاً : يا بني هذه الكتب التي تراها هي كتب سياسية فكرية، وأنا أكرر قراءتها منذ زمن بعيد جداً، لكي أتعمق بها جيداً، فهذا الكتاب مثلاً هو المنطلقات النظرية للحزب الوطني الأول، وهذا الكتاب هو كتاب دراسات فكرية وتنظيمية للحزب الوطني الثاني، وهذا الكتاب هو كتاب الطرق المنهجية والديالكتيكية للحزب الوطني الثالث.
قال الشاب متسائلاً: وماذا تفيد قراءتها؟.
أجبته وأنا أصطنع وضعية المثقف المفكر، وأركز نظارتي على أرنبة أنفي:
– أنتم جيل الشباب، جيل حليب النيدو، والهمبرغر، والشيبس، لا تعرفون شيئاً عن جيلنا، نحن جيل الفكر والثقافة والسياسة، سأقول لك إن من يفهم هذه المنطلقات النظرية، وهذه الدراسات الفكرية، وهذه الأسس الديالكتيكية، سيساهم في تغيير الواقع الفاسد، يعني عندما نفهم هذه الأمور جيداً، ستكون الثورة حتمية على الواقع السياسي والاجتماعي الفاسد.
يبدو بأنني كنت أتكلم مع نفسي ، فقد ابتعد ابني ليتكلم في هاتفه الجوال مع صديقةٍ له.
توالت الأيام وأنا أشرح لابني عن حتمية قيام الثورة، إلى أن جاء ذلك اليوم، وإذْ به يصيح: بابا … بابا … أبي … قامت الثورة … قامت الثورة .
سألته مستغرباً : ثورة ماذا؟.
قال : الثورة … ثورة تغيير الواقع الفاسد، التي أنت ما زلت تقرأ من أجل قيامها.
انتفضت مستغرباً أكثر : ثورة… ومن حرك الثورة؟.
قال : شاب اسمه … محمد بوعزيزي، هو الذي حرك الثورة.
صرخت بحالة عصبية : (العمى .. العمى) شاب يحرك الثورة .. أريد أن أفهم متى استطاع هذا الشاب قراءة وفهم المنطلقات النظرية، والأسس المنهجية، والدراسات الفكرية الديالكتيكية؟.
وأنا بهذه الحالة العصبية الهستيرية ، جمعت كل الكتب من على الطاولة، ورميت بها من النافذة دفعة واحدة .. وبكل قوتي ..
وإذ بي أسمع صراخ جاري يصيح:
– آخ..آخ… أوجعتني يا جار، لقد حطمت رأسي بالكتب، تباً لك، وتباً لتلك النظريات، التي ما استفدنا منها سوى أن نحطم رؤوس بعضنا بها.

كاتب سوري