الجمعة , 18 سبتمبر 2020

الرابطة وحقّ الزكاة

نور الدين الغيلوفي

كانت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من المنظّمات المدنيّة الوطنيّة التي تفاخر بها تونس الجمهورية لِما كانت تنهض به من أعباء الدفاع عن حقوق الناس أمام غطرسة الدولة الوطنية التي حوّلها الحكم الفرديّ إلى جهاز قمعيّ يسلب الإنسان أبسط حقوقه…

وبعد هامش الحريات الذي كانت تعيشه البلاد زمن بورقيبة جاء النظام النوفمبري فاعتقل بورقيبة وخنق الأنفاس وعبث بالحقوق.. أمّا رابطة الدفاع عن الحقوق فقد عرف نظام الاستبداد والفساد كيف يروّضها إذ دجّن قياداتها وجعل منها صوتا له يمجّد معجزاته وسوطا يجلد به الإنسان.. وبعد الدكتور منصف المرزوقي والحقوقيين النزهاء احتلّ المنظَّمةَ أوباش جامَعَهُمْ بن علي فما أنتجوا غير نسله النتن…

لا أذكر لهذه المنظّمة إنجازا واحدا طيلة ربع قرن هو عمر نظام بن علي.. إذ نجح في تنويمها في مخدعه، فظلت لا تسمع ولا ترى ولا تتكلّم.. ولسنا ننكر أصواتا مخلصة بها لم تكن تدّخر جهدا في الدفاع، عمّا تستطيع، من حقوق الناس.. ولكنها كانت أصوات نشاز محاصَرة…

مع الثورة ورث نسل بن علي زمام المنظّمة التي صارت لها آذان تسمع وأعين تبصر وأقلام تكتب بها البيانات دفاعا عن مدنية الدولة في وجه المبشرين بالدولة الدينية…

لن نجادل “جمال مسلم” صاحب البيان في الدولة والدين وعلاقاتهما.. ولن نناقشه في الزكاة ومكانتها عند المؤمنين بها.. الرجل لا نعرفه ولا ندري إن كان لديه الوقت ليفهم ما لم يكن يفهم… ولن نكون معنيين بالدفاع عن الدين ولا عن فريضة الزكاة ولا عن بلدية الكرم وما يزمعه رئيسها من بعث لصندوق للزكاة بها…

سنعتمد البيان للكشف عن أمور لعل واضعيه كتبوها ولم يقصدوها.. فنبيّنها لهم عسى أن نحظى بثواب عَشر رمضان الأواخر.. فنُعتَق من نار مدنيتهم الزائفة…

1. يكشف البيان من بدايته إلى نهايتة ما دأب عليه القائمون على هذه الرابطة من سلوك وشاية تجلّى من خلال تعبير ((انتهى إلى علم…)) وهو تعبير قديم من مشتقّات “استُفيد”.. وإلّا فما معنى “انتهى إلى علم” والدعوة منشورة للعموم؟ ولمّا كانت الاستفادة تقتضي مستفيدا كان لا بدّ من جهة تُنقل إليها الوشاية وهي هنا ((السلط السياسية العليا)).. ولا يخفى ما في التعبير من تحريض للحكومة على السلطة المحلية ببلدية الكرم في إنكار لحقّ هذه السلطة في أن تجعل لها موارد مالية إضافيّة تدعم بها أعمالها وتستعين بها على تدبير شؤون مواطنيها…

2. لا أظنّ أنّ واضعي البيان يفهمون معنى (صندوق الزكاة) أو يعلمون مهامّ السلطة المحلية…
إنّ كثيرا ممن تجب عليهم الزكاة من الشعب التونسي يدفعون زكاة أموالهم لأنهم يرون في ذلك ركنا من أركان دينهم لا يستقيم لهم إلّا به.. والزكاة، لديهم، هي شقيقة الصلاة.. بعض هؤلاء لا يرى مشكلا في الامتناع عن دفع الضرائب الواجبة عليه للدولة ولكنه يدفع زكاة ماله !.. والآلاف المؤلَّفة الذين يؤدّون فريضة الحجّ لا يحجّ كثيرون منهم إلّا بعد تسوية حسابهم مع فريضة الزكاة لأنّهم يعون جيّدا أن أركان دينهم موصول بعضها ببعض.. فهل تساءل كَتَبَةُ البيان لمن يدفع هؤلاء الزكاة؟

3. الدولة التي لم يهدّد مدنيتَها الحجُّ ولم تهدّدها الصلاة لا يمكن أن تهدّدها الزكاة.. بل بالعكس.. قد تخفّف الزكاةُ الأعباءَ عنها وتدعم مدنيتها.. إذا التزم الأثرياء بدفع زكاة أموالهم أليس من الأفضل أن يدفعوها إلى مؤسّسات الدولة تستعين بها على إنجاز ما عليها.. وبذلك يكون صندوق الزكاة رافدا لها وداعما.. لماذا نصرّ على أن نجعل من الدين خصما للدولة ولا نجعل منه داعما لها.. أوَليست الدولة هي صاحبة المسؤولية؟ أليس عليها رعاية الدين وحماية المقدّسات بمنطوق الدستور؟

4. أيهما أفضل أن تدخل أموال المزكّين في الدورة المالية الرسمية، تحت رقابة القائمين على الدولة، أم تذهب إلى جهات غير معلومة وقد تقع بين أيدٍ لا تستحقها؟ أو ليس دفع الزكوات للقنوات الرسمية سبيلا إلى استعادة ثقة الناس في دولتهم يحمونها ليحتموا بها في شؤون معاشهم ومعادهم؟

5. لا أظنّ أنّ هذه الأمور تخفى عن السيد الذي أمضى البيان.. ولكنّ الذي حمله على الإمضاء حساسيةٌ له من المصطلح (الزكاة) ومن الدين.. وأنا لست أريد أن أتحرك في أفق اتهام هؤلاء بحدّية موقفهم من الدين الإسلامي لأنّني أراهم مسلمين رغم ركاكة تعبيرات المناكفة السياسية التي تحكم خطابهم ومواقفهم.. ولهم أن يروا ما يريدون في ما لا يضرّ من الناس أحدا…

ولكنّني أسأل هؤلاء:

هل كانوا سيكتبون بيانا مثل بيانهم هذا لو أنّ أقلّية هندوسية مثلا تعيش ببلادنا وصلت بالانتخابات إلى تكوين بلدية ووضعت صندوقا للمؤمنين بديانتها رأت فيه تطبيقا لتعاليمها؟ لو كتبوه لاعترضتُ عليهم ولاتّهمتُهم بتلك التهم الحقوقية الجاهزة.. أفلا أتّهمهم بها وقد وضعوا هذا البيان الفضيحة لأجل مصادرة حقوق الناس ومنعهم من أن يتحرّكوا في النور يعبّرون عن قناعاتهم تحت طائلة القانون؟

6. لو أنّ رئيسا مسلما كان على رأس بلدية في دولة من الدول الغربية اقترح على جمهور بلديته من المسلمين، في تلك البلاد الأوروبية أو الأمريكية أو الأسترالية، أن يجعلوا لهم صندوقا للزكاة الإسلامية هل كان سيقال عنه إنّه يهدّد مدنية الدولة؟ هل كان سيُمنع لأجل ذلك أم سيلقى تشجيعا على مبادرته؟

7. ما يهدّد مدنية الدولة في نظري مثلُ هذا الخطاب الغبيّ الذي يتعجّل مصادمة المزاج العامّ وإثارة الشكوك وتلويث الأجواء لفائدة شعارات جوفاء لا تقنع أحدا.. ليس القائمون على رابطة حقوق الإنسان بأوصياء على الدولة ولم يوصهم أحد بحراسة مدنيتها.. ولا أظنّ أنّ السلطة المحلية في دائرة الكرم أو في غيرها من الدوائر البلدية على امتداد تراب الجمهورية، لا أظنّها إلّا سلطة عليا لها مطلق الحرية في تدبير شؤون مواطنيها في إطار قوانين الدولة المرعية…

8. هذا البيان فضيحة لأنّه لا يتجاوز وشايةً تحرّض السلط الحاكمة بعضها ضدّ بعض في ما يشبه النفخ في نار الاحتراب الأهليّ.. أمّا حجّة رفض المجلس النيابيّ التشريع لهذه المبادرة فهي حجّة غير مقنعة ولا تفيد في سياق حجاج بدا متهافتا من منظّمة ننتظر منها أن تعود إلى الإنسان تدافع عن حقوقه المسلوبة بعيدا عن المناكفات السياسية الخرقاء.

شاهد أيضاً

تطبيع السواقط

نور الدين الغيلوفي  بين يدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حضر اثنان من أعراب الجزيرة ببدلتين …

عن سبر الآراء

نور الدين الغيلوفي  أقرأ ترويجا للفاشيّة وشقيقتها الشعبويّة بحكايات سبرٍ للآراء تقول إنّ نوايا التصويت …