الإثنين , 26 أكتوبر 2020

السجين الأسعد في عهد الرئيس السعيد

نور الدين الغيلوفي

فتى يقال له أسعد فرّ من لهيب الحرب في ليبيا إلى تراب دولته.. هو شاب فقير من قرية من قرى معتمدية بئر علي بن خليفة اضطرّته الحاجة إلى مهاجرة وطنه طلبا للخبز في التراب الليبي رغم الحرب الأهلية الدائرة هناك.. لم يكن في سياحة ولا سافر في متابعة صادراته كما قد تفعل القطط السمان التي لا طاقة للدولة بجميع مؤسّساتها بها…

فرّ الفتى من صواريخ حفتر العسكريّ الذي لا يرحم إلى أحضان رئيس دولته المدنيّ الدستوريّ المنتَخَب واستجار برحمته.. وما دام الرئيس منتخَبا فلكلّ مواطن منه نصيب ومن حقّه أن يطالبه ويعاتبه ويعاقبه.. أليس بأصوات الشعب قد صار الرئيسَ؟

ضاقت الأرض بالفتى لمّا أنكره تراب دولته كما أنكر الجائحة التي زرعت الرعب في الأوصال قبل أن تختنق بها الصدور وتضيق الأنفاس.. وارتبكت الدولة في استقبال أبنائها العالقين بحدودها.. فبدأت بارتكاب الأفعال الموحشة في حقّهم…

ارتبك الفتى لمّا وجد نفسه عالقا بين دولتين: دولة طردته بسلاحها ودولة أوصدت الباب دونه ومنعته من الدخول…

ضاقت به حاله.. وارتجّ فيه كلّ شيء.. وليس لمن كان مثله أن يطالَبَ بإعذار الدولة بإكراهاتها الكثيرة.. دبّ الانهيار إليه.. وهو في لحظة السقوط صرخ.. ويقال إنّه شتم رئيس الجمهورية.. وقيل إنّه بذلك قد ارتكب جريمة.. لقد أتى “عملا موحشا” ضدّ الرئيس.. والرئيس مختصّ في القانون الدستوري.. يعرف جيّدا فرق ما بين القول والعمل.. ويميز في الأفعال بين ما يستحقّ العقوبة وما يُصفَخ عنه.. ويُعفى…

منذ قامت الثورة حَكَمَنا قبل قيس سعيد رؤساء ثلاثة: فؤاد المبزّع، والمنصف المرزوقي، والباجي قايد السبسي:

المبزّع قلنا فيه ما لم يقله مالك في الخمرة ولم يلتفت حتّى مجرّد الالتفات إلى جماهير القائلين فيه…

المرزوقي سلخوه سلخا وقالوا فيه كلّ ما لا يليق ولكنّه كان كبيرا.. لم يعاقب أحدا.. كان أكبر من العقاب..

وذهب المرزوقي وجاء الباجي.. لم نكن راضين به شكلا ولا مضمونا وهجوناه بما لم يهجُ به المتنبّي كافور الإخشيديّ.. ولم يحاكم أحدا بدعوى أنّه ارتكب ضدّه فعلا موحشا.. وحتّى الناشط الذي قاضاه ربح قضيته ضدّه.. خضع الباجي، رحمه الله، للقانون وتحمّل ما كان يجد من خنق الدستور…

وقيل في قيس سعيد الكثيرُ من النشطاء الذين انتخبوه اختيارا والذين انتخبوه اضطرارا.. وعبّر كثيرون عن ندمهم وعضّوا منه الأصابع.. ولم يتحرّك له جفن ككلّ رئيس ديمقراطيّ.. فما الذي جدّ حتّى يعاقَب شابّ اغضبته دولته ولم ير من ممثّل لها في نفسه غير رئيس الجمهورية فشتمه كما يفعل كلّ مقهور سرّا وجهرا؟

الشاب الأسعد يعرف أنه مواطن تابع للدولة التونسية.. ضاقت به الحال فانفجر في وجه دولته التي أهملته مرتين: مرّة حين تركته يطلب رغيف الحياة في بلاد بها احتراب أهليّ ولم تُغنه عن المغامرة بحياته لأجل صونها.. ومرة حين رفضت فتح الباب أمامه وتركته عالقا…

فهل تطالب عالقا بأن يكون عاقلا وتحاسبه على أساس ذلك؟ حتّى إن كان الفتى قد هاجم الرئيس فقد كان في لحظة غضب.. وليس الحلّ في أن تهمله الدولة مرّة ثالثة بأن تلقيَ به في غيابات السجن بدعوى أنّه أخطأ والقانون يقول إنّ لكلّ خطإ عقابا.. العدل فوق القانون.. والرحمة فوقهما معا.. والثورة أقامها الفقراء ليحتموا بالقانون لا ليُسلَّط عليهم دون سواهم…

لن نستردّ هيبة الدولة بمعاقبة شابّ مسحوق كُبت فانفجر.. وليس رئيسا ديمقراطيا ترتضيه الثورة ذاك الذي يجعل من شابّ فقير خصما له يحاكمه أمام القضاء.. وقبل محاكمته يتعرّض إلى تعذيب مُذلّ مُخلٍّ.. التعذيب كان وسيلة أجهزة القمع لافتكاك اعترافات المعتقَلين.. فلماذا عُذّب المواطن أسعد في عهد حكم الرئيس سعيد؟ أهو الانتقام؟

إذا كان المواطن البسيط قد أخطأ مرّة عن غير قصد فإنّ الدولة قد أخطأت مرّتين أخريين: مرّة حين اعتقلته ومرّة حين عذّبته…

التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم.

#ملاحظة: مرجعنا في الحديث عن تعرُّض الشاب لسعد إلى التعذيب ما كتبه الأستاذ المحامي #سميربنعمر.

شاهد أيضاً

ماكرون والإسلام محاولة في الفهم

نور الدين الغيلوفي  لو لم يسيء المسلمون إلى رسولهم لما تجرّأ عليه وعليهم غيرهم.. ومن …

أبو العبر المدّوري

نور الدين الغيلوفي  إشهار مجاني لمثقّف كبير اسمه عبد الجبّار المَدّوري مقدّمة في السياق: أبو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.