الجمعة , 18 سبتمبر 2020

الزلزال الأول: سقوط الوطية أو نهاية حفتر والحفتريش

أبو يعرب المرزوقي

1. بداية تحرير قاعدة الوطية تمكنني من استئناف التغريد كما وعدت. فهذا هو الزلزال الأول في قائمة الزلازل الخمسة المشار إليها سابقا. لن أنتظر النتيجة فهي معلومة. وما سأغرد به لا يتعلق بالمسألة العسكرية التي حسمت بل بمسألة طالما انتظرتها وها هذي بدأت تتحقق: تجاوز حرب التحرر والتحرير الانحصار في المحليات وذهابها إلى الاقليميات.

2. لم تبق أي معركة في أقليمنا محلية أي ضمن حدود سايكس بيكو بل صارت الشاهد الحي على نهايتها. فلو لم يكن ذلك كذلك لاستحال على الثورة الليبية أن تستمر وأن تنجح. فهزيمة الثورة المضادة بفرعيها الذي تقودة إسرائيل وأمريكا والذي تقوده إيران وروسيا ليست في متناول شعب أي قطر دون شعوب بقية أقطار الاقليم.

3. لكن اجتماع بقية شعوب الأقليم الذي حصل بفزة جماعية منذ أن صار شعارهم “إذا الشعب يوما أراد الحياة * فلا بد أن يستجيب القدر” ما كان ليثمر لو لم تحصل قبله معجزة أعجزت كل أعداء الشعوب في الأقليم وبدأت خطة ذات توجهين: رمزها الانقلاب في مصر واليمن والتعفين في سوريا وليبيا حتى يستعيدوا الاستبداد والفساد.

4. وهذه المعجزة هي التي تحقق ما كان مفقودا منذ سقوط رمز الوحدة التي تجمع هذه الشعوب أعني منذ أن تأسست حدود سايكس بيكو التي ستلغيها الثورة بنجاحها وهو ما يعلل مساندة روسيا لإيران وأمريكا لإسرائيل باستعمال عملاء فرس وعرب للمحافظة عليها مهما كلفهم الامر: المعجزة هي عودة رمز الوحدة بشكل جديد أعني عودة تركيا لذاتها ولدورها في الاقليم.

5. والفضل في ذلك لله رب العالمين وللشعب التركي ولقيادته الحكيمة. لكنه يوجد طرفان آخران لهما فضل بتسخير إلهي: فرفض أوروبا دخول تركيا للاتحاد الأوروبي وغباء الثورة المضادة تسخير إلهي لأعداء الامة في خدمتها. فلو قبلت أوروبا تركيا لألهتها عن هذه المهمة التاريخية الكبرى. ولو كانت الأنظمة العميلة ذات سيادة وعقل لفهمت استحالة نجاحها ضد ثورة الشعوب.

6. ليست معركة القاعدة -الوطية- هي التي تعنيني اليوم بل دلالتها على ما به يمكن تفسير كل الاحداث التي بدأت منذ عقد ثمرة لنضالات دامت ما يقرب من قرن لجبر الكسور الخمسة التي استهدفتها استراتيجية سايكس بيكو الأولى ومعها وعد بلفور وتصورهما قد نجحا فسعوا إلى سايكس بيكو الثانية ومعها الصفقة الكبرى استكمالا للأولى ولوعد بلفور.

7. ولا بد هنا من الإشارة إلى ما يعبر عن حكمة إلهية تثبت أن الاستئناف لم يعد مجرد أمل بل هو بصدد التحقق. فالثورة التي بدأت في الجزائر في العقد الأخير من القرن الماضي واجهضوها استؤنفت رغم أنهم جعلوا اجهاضها استراتيجية يقاس عليها السعي لاجهاض الثورة الثانية التي بدأت في تونس وشملت شعوب الأقليم كلها بمن فيها شعوب البلاد التي تقود الثورة المضادة على الاقل قلبيا.

8. زلو بقيت الجزائر خلال الثورة الثانية يحكمها الحركيون أي عملاء فرنسا لاستحال على تركيا أن تنجد ثورة ليبيا. ذلك أن موقف الجزائر حاسم في الامر. إذ حتى تونس التي ثار شعبها فإإنها قد نكبت برئيس تابع لفرنسا وإيران ولعملائهما في تونس فحال دون المساعدة بل إن كل أفعاله هي لمساعد حفتر وداعميه من عملاء العرب رغم أقواله المنافقة.

9. لذلك فلا بد من الاعتراف بأن للجزائر الجديدة وثورة شبابها دورا عظيما في تحقيق هذا الأمل لأن فرنسا لو بقي لها وجود مؤثر فيها لكان بوسعها التدخل بأيد جزائرية كما تتدخل حاليا بأيد تونسية لأن لها أحزابا حركيين وحفتريش في خدمتها وهي التي يحكم بها الرئيس الحالي وتحارب الثورة وتؤيد بشار والسيسي وحفتر وحكام الثورة المضادة الخليجية والفارسية.

10. وسأبدأ كلامي على الكسور بالخطة التي وضعها أكبر فيلسوف ألماني وغربي على الإطلاق في القرن السابع عشر: لايبنتس. وفيها بعدان تفتيت الخلافة وإنشاء مستعمرة إسرائيل. وكلاهما حاول نابليون تحقيقهما بغزو مصر. وإذن فعندي أن ما يفاخر به الكثير -نهضة محمد علي- ليس إلا بداية الخنجر الذي حقق الكسر الأكير الأول.

11. فلايبنتس اراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد: تفتيت الخلافة التي كانت بصدد فتح ما حول ألماينا وتحرير أوروبا من سلطان البنوك المسيطر على أوروبا وكانت خطته ضرب الخلافة من خلف بمصر وإنشاء مستعمرة اسرائيلية حاجزا فاصلا بين جزئها الآسيوي وجزئها الافريقي لزعزعة سلطانها على البحر المتوسط.

12. بدأت الكسور إذن بكسر الوحدة الجغرافية. والمعلوم أن الكسر الجغرافي يحقق للأعداء غايتين متلازمتين: حرب الحدود بين الفتات واستحالة التنمية الاقتصادية لصغر الحجم فضلا عما يترتب على حروب الحدود وتآمر البعض على البعض كما نرى ذلك في مناطق الجامعة العربية أي في الخليج وفي المغرب وفي الهلال وفي النيل وفي القرن.

13. فتات الجغرافيا الإسلامية هو إذن مصدر لحرب أهلية دائمة بين الأنظمة العميلة التي ينصبها العدو وتبقى بحاجة إليه ليكون حاميها بعضها من البعض من حروب هو الذي يؤججها بينها حول الحدود. وكم من حرب تحدث حول بئر بترول أو حول قطرة ماء أو حول أي شيء تافه إلا التعاون للاستفادة منه بالتشارك.

14. فيكون الكسر الأول الجغرافي مصدرالكسر ثان هو كسير الثروة. فهذه تصبح رهن تبعيتين لأن الفتات الذي يسمى دولا ليس إلا محميات والحامي لا يفعل حبا في المحمي بل لكي يكون هو صاحب الثروة. من يصدق أن البترول السعودي ملك للسعوديين؟يكفي سماع ترومب:إما أن تدفعوا الجزية أو سيسقط النظام في أسبوع.

15. هذان هما الكسران الماديان الأبرزان. ويوجد كسران روحيان أهم منهما. فالأنظمة العميلة لكي تدعي أن المحميات دول لا بد لها من كسرين آخرين تحدثهما بمساعدة الحامي: الكسر التاريخي أي إن كل محمية تدعي أنها دولة ذات شرعية وتحاول تأسيسها تاريخيا: فالتي أنشأها الانجليز منذ بعض العقود تدعي أنها موجودة منذ ما قبل الإسلام.

16. فتصبح تونس قرطاجنية والعراق بابلية وسوريا فينقية ومصر فرعونية والامارات التي أنا أسن منها ما قبل تاريخية وهلم جرا من تفتيت التاريخ الإسلامي الذي نعلم جميعا أنها كانت فيه ولايات من الخلافة بكل مراحلها وأخرتها العثمانية التي حمتهم من البرتغال ومن الاسبان وإلا لكان مصيرنا كمصير الاندلس.

17. وعن هذا الكسرالثالث يترتب كسر رابع هو تفتيت التراث. لم يعد التراث الذي هو روح الشعوب واحدا بل كل محمية تختار تراثا خاصا بها لا يشترك مع البقية إلا بخاصية تفتيت روح الشعب أي بسلب ما يوحد بينها وهو التراث الاسلامي الذي يصبح آخر هم الحكومات العميلة ويقدم عليه ما يفرق وذلك في نفس الخطة التهزيلية للأمة.

18. فإذا تمت هذه الكسور الأربعة: 1-تفيت الجغرافيا 2-تبديد الثروة 3-تشتيت التاريخ 4-تهزيل التراث لم يبق التفتيت الخامس وهو مجال المعركة الحاسمة التي تسمى في استرايتيجة الحروب الضربة القاضية التي تحول دون أي شعب وشرط القيام والدفاع عن الذات اعني الحرب على الحصانة الروحية التي هي الحرب على الإسلام.

19. فما يحدث في فكر النخب العربية العميلة التي تكونت في فتات جغرافي وهزال اقتصادي وشتات تاريخي هشاشة تراثية هو أنها تفقد الصلة المتينة باصل الحصانة الروحية التي هي بالنسة إلى الأمم مثل المناعة العضوية بالنسبة إلى الفرد: حماية الجماعة هي حصانتها الروحية وهي عندن الإسلام الذي يحاربونه بدعوى التحديث.

20. تلك هي الكسور الخمسة التي بدات تنجبر. ومجرد بدايتها أثمرت هذا النصر الاول. وهو الزلزال الاول الذي انتظرته مع الأربعة الباقية. وها أنا قد استأنفت التغريد للكلام على ما كان يحول دونه وما صار بعضه بداية للاستئناف. وقد كان الله في عون الأمة بأن “طيرا ابابيل” تمكن من استسناح الفرصة: فأزمة كورونا جعلت الاعداء في حيص بيص.

21. كل زلزال من الخمسة التي ذكرتها يمثل جبرا للكسور. لذلك فالمعركة في ليبيا وفي سوريا وفي السودان وفي الخليج وفي مصر لم تعد معارك قطرية ومحلية بل هي معارك اقليمية. ولأنها أقليمية صارت دولية لأن من بيدهم السلطان الدولي لا يريدون عودة المسلمين لدورهم الكوني وهي عودة شرطها جبر الكسور أي اساس القوة المادية والروحية. وذلك هو معنى سعيهم لتحقيق سايكس بيكو2 والصفقة الكبرى.

22. فهمو أن سايكس بيكو الأولى ووعد بلفور بصدد الزوال لأنهما في تناسب عكسي مع جبر الكسور الذي قضت الأمة قرنا في المقاومة من أجل الابقاء على اللحمة رغم قضاء الاعداء على رمز الوحدة بأسقاطه الخلافة وجعل كل فتات من جغرافيتها وثروتها وتاريخها وتراثها شتاتا بين قبائل تنتسب إلى ما قبل الإسلام وإلى ما بعده.

23. وهذا من فضل الله ومن فضل صبر الإسلاميين أو من يعيرون بكونهم يمثلون الإسلام السياسي الذي ليس هو شيئا آخر غير مقاومة هذه الكسور الخمسة للمحافظة على الوحدة المتنوعة لأن دولة الإسلام ليست دولة مركزية بل هي شبه فدرالية لشعوب متحدة في السراء والضراء مع الوحدة الحامية لهذه الأحياز.

24. فوحدة حيز المكان (الجغرافيا) شرط لوحدة حيز الثروة (الاقتصاد) ووحدة حيز الزمان (التاريخ) شرط لوحدة التراث (الثقافة) والأحياز ألاربعه المتحدة هي الكيان المادي لقيام الكيان الروحي الذي هو الحيز الخامس وأصل الأحياز الأربعة المتفرعة عنه لانه هو حيز الحصانة الروحية أو الإسلام بالنسبة إلى الامة. وذلك هو جوهر برنامج ما يسمى بالإسلام السياسي.

25. ولولا أهميته الاستراتيجية ودلالته التاريخية لاستحال على كل الأعداء الاجماع على محاربته وخاصة محاربة عودة تركيا إلى ذاتها وإلى مجدها التاريخي لكي تكون في عون الشعوب التي استردت ذاتها مثلها وتسعى للتحرر واستكمال التحرير في آن: وتلك هي دلالة ثورة أحفاد المجاهدين في الجزائر الحالية وثورة الشعب التركي وبقية شعوب الأقليم وهي ثورة سيكون اوجها تحقق الزلازل الخمسة التي توقعتها.

شاهد أيضاً

حدود “البلا حدود” الحرب على الإسلام ممولوها واستراتيجيوها

أبو يعرب المرزوقي  خمس مسائل تحيرني في دور الثورة العربية المضادة بصنفيها. واعتقد أني قد …

ماكرون بين لبنان واليونان

أبو يعرب المرزوقي  كيف نفهم محاولات فرنسا اليائسة لإحياء الحروب الصليبية بالاعتماد على نفس الخطة …