الجمعة , 18 سبتمبر 2020

ما يلزك على المرّ كان إلّي أمرّ منه

عايدة بن كريّم

برشة تعليقات وصور على مشهد “رفع الحظر الموجه”… أغلب المُعلّقين اعتبروا أنّ ظاهرة الإقتراب الاضطراري وعدم الالتزام بقواعد الخروج إلى الشارع مؤشّر على قلّة وعي مواطني… وأنّ المواطن موش عارف مصلحته ومستهتر ومعرّض نفسه للعدوى.

أرى أنّ المشهد يدلّ على قلّة وعي حكومي… ليس لأنّ الحكومة لم تستعمل أجهزتها لتأمين “سلامة” الخروج إلى الشارع أو لأنها لم توفّر الكمامات ولم تُسخّر جيشها وامنها لحماية المواطنين من أنفسهم وإنما لأنّ الحكومة منذ البداية كان رهانها “صحّي”.
الشعب بعد أكثر من شهر ونصف من هيمنة اللون الأبيض على وسائل الإعلام… ومن تركيز المسؤولين على الأرقام وتفاخرهم بضعف أعداد المصابين والنسب غير المرتفعة لأعداد الموتى… استوعب فكرة أنّ الحكومة معمّلة على الشعب حتى تنتصر في حربها وتحقق رهانها “الصحّي” وتنجز النجاح الذي ستُباهي به الأمم، فالحكومة مُطالبة بالنتائج أمام منظمة الصحة العالمية.
والشعب فهم أيضا أنّ من تُصيبه العدوى سوف تتحمّل الدولة المسؤولية في الإحاطة به صحيا وبعائلته… علاجه ورعايته الصحية والتحاليل كلّها مسؤولية الدولة.

لكن حين يفقد مورد رزقه أو يخسر موطن شغله أو ما يلقاش من وين يوكّل صغاره فهم أنه لن يجد دولة “تسنده” ولا “تُحيط به” ولا تؤمّن له قوت عياله. الناس عاينت التعامل المُذلّ والمُخلّ واستنتجت أنّ هذه الدولة لا يُعوّل عليها. في الجانب الاجتماعي، جميعنا اكتشف حجم التعقيدات البيروقراطية في جميع الإجراءات المُتخذة وشفنا أنّ الدولة لم تفرض على أصحاب المؤسسات التكفّل بشهاري العملة وحتى حكاية 80 بالمائة على المُشغّل و200د من الدولة الأمور معقّدة لدرجة أنّ أغلب المؤسسات تهربوا منها (استمارة طويلة وعريضة والتزام بعدم التفريط في العمال) وعلى أي أساس يقع احتساب 80 بالمائة (الخام أو الصافي)… وحتى مسألة التصاريح الجبائية وخطايا التأخير موش فاهمينها… تدخل للموقع تلقى خُبيلة.

الحكومة رهانها “صحّي” والشعب رهانه “معيشي”… وكلا الرهانين لن يتحقّق إلاّ بالشعب العميق… دون شعب ملتزم بسياسات الحظر لن تُحقق الدولة انتصاراتها الموهومة ودون خروج الشعب للشارع وخوضهم معركة “الأمعاء” لن يحقق المواطن رهانه في تأمين خبز أولاده.
كان على الحكومة أن يكون رهانها الرئيس “اجتماعي” و”اقتصادي” لأنّ الصحّي يتبع… او على الاقل كان عليها أن تعدل قليلا بعد تجاوز الموجة الأولى.
الشعب لمّا يكون مطمان على رزقه ما فماش علاش يخرج للشارع ويعرّض نفسه للعدوى…
عندنا مثل تونسي يقول “ما يلزك على المرّ كان إلّي أمرّ منه”…
على الحكومة إعادة ترتيب أولوياتها… “الصحي” أولا أم “الإجتماعي” و”الصحي” يتبع.
كان من الأفضل حسب رأيي أن يرى المواطن زوز جنرالات في الحرب: وزير الصحة ووزير الشؤون الاجتماعية.
لكن للاسف غلب السياسي… وطغى “الحوماني”… والزطلة غلبت العقل.

•••

كفى ترذيلا للشعب العميق… ناس باركة في ديارها وشهاريها تتصبّ في الحساب وتتمتع بالإمتيازات والتغطية الاجتماعية وتقلي في اليويو وتتفرّج على حريم السلطان وتمشي للبنك تجبد الفلوس من الحيط…. وتلوم على الزواولة كيفاش يدزّوا في بعضهم في المترو باش يخلطوا على جرناطة ممرغة في التراب…

شاهد أيضاً

سيدي رئيس الحكومة المحترم

عايدة بن كريّم ارجو ان يبلّغك احدهم رسالتي هذه، فأنا مواطنة أخوض معركتي منذ بدأت …

مفاهيم كانت من قبيل الخيال العلمي في تونس

عايدة بن كريّم قبل 2010 لا أحد كان يتصوّر السيناريو الذي عاشته تونس بعد 2011… …