الجمعة , 18 سبتمبر 2020

النائب الصنم

نور الدين الختروشي

كان صادما للرأي العام والشعب التونسي عموما، ان يتوجه النائب عن حركة الشعب ذات المرجعية العروبية بتحية لبشار الأسد المتورط في جرائم إبادة ضد شعبه، والمجرم خليفة حفتر في ليبيا الذي جمّع تحت لواء ما يسميه بالجيش الليبي أزلام نظام القذافي وكتائب المرتزقة والارهابيين من الجنجاويد الى الدواعش الى القتلة الروس.
تقديري ان المشكل ليس في موقف النائب هيكل المكي، فهو قد عبر بأمانة وصدق وعفوية عن موقف التيار القومي العربي او بأكثر دقة عن الغالبية في ذلك في التيار المهم هنا أنه عبر بمباشرة فجة عن موقف حركة الشعب الرسمي والمعلن من الملف الليبي والسوري.

لا أحد من الدارسين الجديين لتاريخ وتجارب القوميين العرب لم يقف على دموية الأنظمة العروبية منذ ثورة يونيو 52 مرورا بانقلابات البعثيين بسوريا والعراق وصولا الى جريمة انقلاب الفاتح من سبتمبر بليبيا القذافي.

حركة التيار الشعبي المنشقة عن حزب الشعب سليلة التيار الناصري في تونس اعلنت رسميا على لسان النائبة السابقة مباركة الابراهمي تسفير شباب الحزب للقتال الى جانب نظام الشبيحة بسوريا. والغريب المستراب أن القضاء لم يكلف نفسه التحقيق في إعلان أحد الرموز الوازنة لحزب سياسي قانوني اعترف بامتلاكه لجهاز خاص عسكري مدرب على حرب العصابات. هذا في حين قامت الدنيا ولم تقعد في ما سمي بملف الغرفة السوداء المنسوبة لحركة النهضة رغم علم القاصي والداني انها مجرد مسرحية سيئة الاخراج من جيوب الاستئصال اليساري المتغول على الدولة.

التيار القومي انجب اكثر الانظمة القمعية الدموية في العالم.، ولا تسجل الذاكرة الانسانية ان نظاما قمعيا أباد أكثر من مليون مدني اعزل وشرد اكثر نصف شعبه كما فعل نظام الممانعة والبراميل المتفجرة في سوريا.

يملك رهط من القوميين من الصفاقة والفحش الأخلاقي لا ليتضامن َمع النظام الدموي فقط، بل ليلتحم َمعه عضويا وعسكريا وميدانيا في اقتراف جرائمه البشعة، وكان من المفترض بل من الواجب حل حزب التيار الشعبي والتحقيق مع قياداته بتهمة المشاركة في جرائم الابادة الجماعية.

السؤال السياسي الحارق ليس في ادانة موقف النائب وحزبه.. السؤال الذي يلح علينا في الحالة يتصل بمستقبل حكومة الفخفاخ فحزب الشعب احد اعمدة الائتلاف الحاكم الهش الذي جاءت به عبثيات يوميات السياسة. ولعله من التبسيط المدرسي الممل التذكير بأن التحالف الحكومي يقوم دائما بين أطراف تلتقي على رؤية مشتركة وبرنامج حكم متوافق عليه.
السياسة الخارجية في برنامج الحكومة وان كانت دستوريا بيد الرئاسة فهي عينيا جزء لا يتجزأ من البرنامج الحكومي نفسه.
عند هذا الحد تتساءل كيف ألتقت حركة النهضة مع حزب الشعب على برنامج حكومي موحد؟ هذا في حين أن اختلاف الحزبين في رؤية السياسة الخارجية بحجم السماء، بل ويقفان على طرف نقيض في الموقف مما يحدث في الجار الليبي.
نسيان هذا التناقض بدالة المشترك الوطني يمثل استحالةً، لما للموقف من الجار الليبي من استتباعات مباشرة على المصلحة العليا للدولة، وبالنظر الى حجم الكلفة المباشرة لأي خطأ في التعاطي مع هذا الملف الملغوم.

يضعنا كل السابق على مدار الرأي القائل بعدم امتلاك حكومة الفخفاخ لمقومات الاستقرار والاستمرار، فحكومة الفخفاخ قامت على تحالف ضرورة بين أطراف تصل الاختلافات بينها درجة الضدية والتنافي وهو ما يرجح عندنا سقوط هذه الحكومة في أول منعرج حاد، خاصة إذا استحضرنا حجم الاستحقاقات الوطنية والأزمة الاقتصادية الماثلة التي وضعت الدولة على حافة الإفلاس. وعمّقها شلل البلاد وهي تواجه محنة وباء كورونا.

من باب التذكير فقط نقرر أن موقف النائب لحركة الشعب من الملفين السوري والليبي يتعارض مع الموقف الرسمي للخارجية التونسية فتونس كما هو معلوم سحبت سفيرها من دمشق في عهدة الرئيس المرزوقي، وهي معترفة بالشرعية التي تمثلها حكومة السراج بليبيا انسجاما مع الموقف الدولي، ولا يفهم موقف حزب حاكم من الملفين إلا بعنوان العبث بالمصالح العليا للدولة.
الائتلاف الحاكم ضم تحت معطفه نقيضين ايديولوجيين (الاسلاميين والقوميين العرب) في بادرة تؤشر على انها كانت استجابة لضغط اللحظة الانتخابية، واستتباعاتها الكارثية بعد سقوط ممثل الحزب الأول في البرلمان، ولم تكن كما هو في الوضع الطبيعي نتيجة مراجعات ونقد ذاتي وتجدد لدى التيارين العروبي والإسلامي.
الغريب المستغرب في قصة علاقة القوميين والإسلاميين انهم اول من اشتغل على فكرة التقارب والحوار في بداية تسعينات القرن الماضي الذي بادر به مركز دراسات وبحوث الوحدة العربية ببيروت، وأشّر يومها على تدشين زمنية المراجعات والنقد الذاتي لدى الإسلاميين والقوميين.

سقطت كل تلك الجهود في الماء في أول امتحان تاريخي فارق مع بداية الربيع العربي والموقف من الثورات في المحيط العربي، وسارع القوميون في الاصطفاف وراء أحذية العسكر في سوريا بشار ومصر السيسي وليبيا حفتر ليعلن التيار القومي تنصله التاريخي المشبوه من كل المراجعات التي تحمسنا لها ذات يوم من العقد الأخير في القرن الماضي.
سقط التيار القومي في أول امتحان له في تونس منذ اصطفاف الجبهة الشعبية بقيادة حمه الهمامي وراء المنظومة القديمة بقيادة نداء تونس ودعت زوجة الشهيد الابراهمي إلى سحل الإسلاميين والتبول على قبورهم في تخميرة ما سمي باعتصام الأرز أمام برلمان الثورة.

فقد القوميون التونسيون -الممثلين في حزب الشعب- شرعية الانتماء لتونس الجديدة يوم اختاروا التحالف مع بقايا النظام النوفمبري في تونس، ودعم قوى تفكيك المنطقة، وخدمة اجندة التقتيل الجماعي والعمالة للكيان الصهيوني التي عمل عليها بنشاط ومازال ما سمي بمحور آل زايد في المنطقة.
وكان هذا السقوط التاريخي ببعديه الأخلاقي والسياسي أهم مؤشر على دفن فكرة التقارب بين القوميين والإسلاميين والتي تعكس بالنهاية موت فكرة الرهان على التطور ومراكمة الجدل بين الفكر والممارسة من داخل السردية العروبية، والتي انتهت إلى شعارات مفرغة من المعنى والدلالة.
تحية النائب هيكل مكي لجيش الإجرام السوري وجيش العمالة الحفترى، يعكس بأمانة التخارج المفزع بين الشعار والممارسة، او بين الفكرة والبراكسيس لدى العروبيين العرب، الذين كانوا ومازالوا اكثر الأطراف مسؤولية عن قبح الضياع في صحراء اغتيال اشواق شعوبنا في التحرر والوحدة والنهوض.

وهذا يكفي….

جريدة الرأي العام

شاهد أيضاً

حكومة المشيشي: هل تكون حكومة الخلاص من شعبوية قيس وعبير؟

نور الدين الختروشي  بعد إعلان المشيشي عن حكومته ذات منتصف ليل سارعت زعيمة الحزب الدستوري …

تمر حكومة الرئيس الثانية أم لا تمر ؟

نور الدين الختروشي  لا نختلف أن الوضع في البلاد كارثي وكل مؤشرات الاقتصاد حمراء. لا …