السبت , 19 سبتمبر 2020

حديث الثورات ..

علي المسعودي

في ليلة شتوية من سنة 1788، التقت نخبة باريسية حول العشاء في بيت أحد الأشراف. كان الجوّ مثقلا بالأحداث الخطيرة المنتظرة. فدار الحديث حول “الأفكار الجديدة”، والفلسفة والدين. وتجرّأ بعضهم على الاستشهاد ببيت ديدرو الشهير: اشنقوا آخر الملوك بأمعاء آخر قسيس!. كانت صحبة بورجوازية مرحة تبادلوا فيها حتى بعض النكات البذيئة دون خجل من الحضور النسويٍّ.

ضيف واحد لم يشارك في هذا السجال بكلمة، هو السيد جاك كازوت، صاحب كتاب “ابليس العاشق”. بقي صامتا طوال السهرة. وفي النهاية أخذ الكلمة وقال:
– سادتي، فلْتهنؤوا منذ اليوم، ستعيشون جميعا هذه الثورة التي ترغبون فيها بشدة. تعلمون أني أرى المستقبل نوعا ما. هل تدرون ما الذي سيحيق بكم وبثورتكم ؟!!. أنت سيد “كونكوردي” ستقضي على أرضية زنزانة صغيرة بعد أن تكون قد تجرّعت السمّ هربا من الموت بالمقصلة التي لم تولد بعد. وأنت سيد “شامفور” ستقطع أوردتك بنفسك بواسطة شفرة حلاقة. وأنت سيد “دي نيكولاي” ستموت فوق منصة الإعدام. وكذلك أنتما كلاكما سيد “بايلي” وسيد “ماليشيرب”.

فقال السيد “روشير” ساخرا :
– الشكر لله أني لست أكاديميا، يبدو أن السيد جاك له خصومة مع أكاديمية ريشيليو !.. فقاطعه صاحبنا:
– وأنت أيضا سيد “روشير” ستموت فوق منصة الإعدام .!
ثم أضاف:
– الذين سيسوقونكم هكذا إلى منصة الإعدام هم فلاسفة يكررون على ألسنتهم نفس الخطاب الذي جرى على أفواهكم منذ ساعة!. ولن تمرّ ستّ سنوات حتى تتحقق كل هذه النبوءات.

تدخلت الدوقة “قرامونت” من أجل تلطيف الأجواء. وعبرت عن سعادتها لأن النساء لا يصنعن الثورات. فكان ردّ جاك جافّا وبلا مجاملة:
– سيدة قرامونت، ستُقادين أنت بدورك إلى منصة الإعدام. سيكون هذا قدرك وقدر أعظم سيدات فرنسا اليوم !. لن تحصلوا حتى على كاهن اعتراف.
وهنا سألت الدوقة قرامونت بخبث:
– ولكنك لم تحدثنا عن نفسك سيد جاك !
– هل قرأت سيدتي قصة حصار القدس ليوسف بن ماتيتاس ؟ لقد كان ثمة رجل يطوف كل يوم بأسوار القدس أثناء الحصار ويصرخ: اللعنة على القدس!.. وفي اليوم السابع صرخ بأعلى صوته: اللعنة على نفسي !.. وفي تلك اللحظة سقط عليه حجر منجنيق فأرداه على الفور !.
هذا أنا !.

•••

في ليلة شتوية باردة من شهر ديسمبر من سنة 2010، اجتمعت نخبة من مختلف المشارب حول العشاء في أحد البيوت الفاخرة من ضاحية سكرة بالعاصمة. كان الجوّ مشحونا بنُذُرِ الثورة القادمة، وكان الخوف يستبدّ بالقلوب. فانغمسوا في شرب النبيذ والخمرة المعتقة من أجل النسيان. وتبادلوا نكات بذيئة حول بائعي الخضار. شخص واحد لم يشارك في الحديث حتى هذه اللحظة. انتظر حتى صمت الجميع ثم قال:
– سادتي، أنتم تعلمون أني أقرأ المستقبل على نحو ما. فلْتَهنؤوا جميعا. ستقع ثورة. نعم. ولكنكم ستكونون أول من يمتطي ركابها.
أنت سيد كمال، ستبقى كما أنت، صانع الرؤساء. وسيكون جليسك الباجي واحدا منهم. وأنت سي حافظ قايد السبسي، ستكون طالع نحس لنا جميعا قبل أبيك. وستنتهي لاجئا بعيدا عن مجالسنا هنا.
وأنت سيد ماجول، ستتسلّم زمام الأمور في زمن تكون فيه السلطة في حال من المذلّة والهوان. ستكون أقوى من الدولة، وستسلبها ما بقِيَ في خزائنها من ملاليم.
وأنتِ سيدة عبير، ستمرّ عليكِ أيام شداد. لا تحزني، فستعودين إلى الحياة بعد موت سياسي طويل. وسيلتفّ حولك جمع من الذكور، أنتِ فيهم الرجل الوحيد.
وأنت سي عبد السلام جراد، ستنحني للعاصفة. وستخرج في النهاية مرفوع الرأس ومعدودا من الزعماء.
أما أنت سي نجيب الشابي، فستخسر جميع الرهانات. ولن تكون في العير ولا في النفير.
وستتحالف يا سي حمّة مع رأس المال. سيجعل منك نبيل القروي أضحوكة بورجوازية لزمن طويل. وسيندثر حزبك اندثارا كأن لم يكن له يوما وجود.
وأنت سي لطفي العماري، ستملأ الدنيا وتشغل الناس، سيُنقل عنك مفردا حديث الأنفاق. ستصنع مع بعض خلّانك مقصلة كبيرة اسمها مقصلة الإعلام. وستتكلم بلسان ثوريّ زمنا معلوما حتى ليظن الناس أنك لست لطفي “استفيدات” !.
وهنا، رفع سي كمال لطيف رأسه متسائلا:
– بعد كل ما قلته، أيّ ثورة تتحدث عنها يا سيد برهان ؟ ثم إنك لم تخبرنا عن نفسك خلال هذا الحديث !.
– هل قرأتم تاريخ حصار القدس من قبل الروم ليوسف بن ماتيتاس ؟ هل تذكرون ذلك اليهودي الذي صرخ في اليوم السابع: اللعنة على نفسي !؟ في الواقع لقد زيّف المؤرخ حقائق التاريخ، فاللعنة لم تُصِبْه ولقد أخطأه حجر المنجنيق !
أنا سأكون كما أنا دائما. وستكون مهمتي تبييضكم جميعا، بقدر بياض لحيتي في مستقبل الأيام !.

•••

ملاحظة مهمّة: القصة الأولى رواها الصحفي جين فرانسوا لاهارب بعد سبعة عشر سنة تقريبا، وقد حامت حولها كثير من الشكوك.
أما القصة الثانية فأرويها لكم بعد عشر سنوات من الثورة، ولكنّها حقيقية مائة بالمائة حتى وإن كانت من أكاذيب الفايسبوك !.

شاهد أيضاً

كوفيديّات …

علي المسعودي تقدّم ! بعد ستة قرون على الطاعون الأسود، بعد الثورات المتوالية في عالم …

في مدح الاستبداد !..

علي المسعودي لطالما شكّلت مواجهة الأوبئة الشرعية الأخلاقية الوحيدة لأنظمة الاستبداد. وإذا لم تستثمر هذه …