الجمعة , 18 سبتمبر 2020

رئيس الثّورة في مكالمة شاعريّة مع رئيس الثّورة المضادّة !

نصر الدين السويلمي

هناك ضرورات دبلوماسيّة، وهناك زوائد دبلوماسيّة، وهناك شطحات دبلوماسيّة، أن يتّصل السيسي بقيس سعيّد ويضعه في مواجهة الرفض أو القبول فتلك ضرورات دبلوماسيّة، يمكن للرئيس أن يردّ عليها بالحدّ الأدنى، لا نطلب منه التصعيد في لهجته ولا استفزاز مخاطبه، فقط يكتفي بالحدّ الأدنى المعقول من مقتضيات العلاقات التقليديّة دون الإسهاب المحنّط الذي يضع في حسبانه أكثر لبناء علاقة أقوى، دون مراعاة عوامل أخرى تمسّ الثّورة وتجعلها في موقف المتزلّف لأحد أقذر وأخطر أدوات القتل في العصر الحديث.

هناك زوائد دبلوماسيّة يعمد صاحبها إلى المبادرة بالاتصال ويفتح الطرق السيّارة أمام الأطراف الأخرى ويغريها بالمحادثة بغضّ النّظر عن سجلّها الأحمر، ولا شك أنّها من المسقطات أن يبادر واجهة الثّورة التونسيّة وعنوانها الذي احتشدت خلفه كلّ أو جلّ شرائح سبعطاش ديسمّبر، إلى التحرّك باتجاه الجلّاد دون أيّ حاجة لذلك، فقط يرغب في تبييض المصيبة وجني بعض الأرباح من خلال رفع أسهم مبادرة كورونا بالتقرّب إلى كوفيد 19.

أمّا الشطحات فليس أبلغ منها ما عبّرت عنه رشيدة النيفر في البيان الذي أرفقته على موقع الرئاسة على شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك، حول فحوى المكالمة بين الرئيس سعيّد وزعيم الانقلاب في مصر المشير عبد الفتّاح السيسي، البيان الذي ورد في بعض فقراته “وتمّ خلال هذه المكالمة تبادل التهاني بشهر رمضان المعظّم، كما تمّ استعراض جملة من الذكريات المتعلّقة بشهر رمضان ومنها حرب السّادس من أكتوبر 1973 التي وافقت اليوم العاشر من شهر رمضان وحقّق فيها الجيش المصري انتصارا عسكريّا كبيرا باجتيازه لقناة السويس وتحطيمه لخطّ برليف”.

هنا لم نعد نتحدّث عن ضرورات دولة ومتطلّبات دبلوماسيّة وحتميّة المجاراة، لم نعد نتحدّث عن مكالمات الواجب ولا الضرورة ولا المجاملة المعهودة.. نحن بين يدي حالة سمر ووشائج وتبادل للذكريات! بين من ومن؟!!! بين رجل رشّحته ثورة الشّعب لحمايتها، وبين عسكري دموي انقلب على شرعيّة شعبيّة ووأد ثورة يناير ويتآمر مع قوى إقليميّة على ثورة تونس!!!

صحيح أنّنا في تونس سرعان ما تحوّلنا من العاطفة الجيّاشة إلى الواقعيّة، ولم نعد نطالب أن يرفع الرؤساء من نسق إيقاعهم إلى مستوى إيقاع الدكتور المنصف المرزوقي، “ذلك رجل أتعب من يأتي بعده”، لكن لا بأس من الحدود الدنيا التي تحفظ هيبة ثورتنا، وأيّ هيبة لثورة يعود إليها بن زايد عبر بوابة قرطاج، ويعود إليها حفتر عبر نفس البوابة، وتوصف فيها شرعيّة طرابلس بالميليشيات قريبا من البوابة التي منحتها الثّورة تأشيرة العبور.

يبدو أنّ قيس سعيّد نسي أنّه وصل بمكينة سبعطاش ديسمّبر إلى سدّة الحكم، وليس بقوّة الأحزاب التي لا يملكها ولم ينخرط فيها ولا بقوّة طرحه السّياسي المتواضع لأنّه لم يعرك السياسة ولا هي عركته، بل قدم إليها حديثا من بوابة شعبيّة هادرة، ولا هو سليل ثورة مازال عرقها عالقا بهندامه ووجدانه، إنّما هو أحد تجارب ثورة وثقت في نبرته واستحسنت سيرته فقدّمته كعنوان لتواجه به الثّورة المضادّة، ودليل ذلك أنّ سدنة النوفمّبريّة نسبوا الانتصار الكبير مساء 13 أكتوبر 2019 إلى الثّورة “سقط السيستام وانتصرت الثّورة” هكذا قال أحدهم.

إذا لا بأس من تذكير الرئيس بأنّ الثّورة لا تطلب العنتريّات والطوباويّات واكتساح أعداء الربيع العربي وطردهم وملاحقتهم.. أبدا! هي فقط تطلب بعض الاحترام، وأقل الاحترام وأرذله وتحته وقاعه.. أن لا يتوسّع الرئيس القادم إلى الكرسي بسواعد الثّورة، في تبادل العواطف والوشائج التاريخيّة مع عدو الثّورات سارق الحلم سفّاح القرن… مكالمة هاتفيّة شاعريّة دافئة بين مرشّح الثّورة ومرشّح الثّورة المضادّة! تأبى ذلك تونس وثورتها وانتقالها، تأبى ذلك الحرّيّة والديمقراطيّة.. تأبى ذلك أشلاء الصبايا وجماجم الولدان المنثورة في ساحات مصر المنكوبة.

شاهد أيضاً

مركز اسطنبول المالي.. الغول الذي أرعب باريس !!!

نصر الدين السويلمي  بحلول 2022 ستفتتح تركيا واحدا من أكبر مشاريعها الواعدة، والذي تعمل عليه بصمت …

كلمتين ورد غطاهم لأنصار الائتلاف..

نصر الدين السويلمي  اليوم السياسية في تونس ما عادتش طلاسم مجهولة تعرفها كان شريحة معينة قالت …