السبت , 19 سبتمبر 2020

عقوبة الإعدام بين الديني والحقوقي

توفيق رمضان

مع كل جريمة بشعة تحدث يرجع الحديث والنقاش حول الإعدام كعقوبة. بين مناد بالغائها و مطالب بتطبيقها دون غيرها في مثل هذه الجرائم. ولكل أسانيده ومبرراته التي يقدمها في وجه مخالفيه. لذلك سنحاول مناقشة الآراء المنادية بالغاء العقوبة ببيان أسانيدها ثم نقدها ونفس الشيء مع الآراء المصرة على مواصلة تطبيقها. لكن قبل ذلك سنعطي لمحة تاريخية عن عقوبة الإعدام وفي تونس خاصة.

اللمحة التاريخية :
عقوبة الإعدام قديمة قدم الإنسان شأنها شأن جريمة القتل. نصت عليها الشرائع سماوية كانت أم وضعية. النظام الشرعي الأثيني نص على الإعدام كعقوبة لعديد الجرائم مثله مثل شريعة حمورابي والقانون الروماني.
التوراة نصت على عقوبة الإعدام «من ضرب انسانا فمات يقتل قتلا» (سفر التكوين). وهو ما نجده في القرآن كذلك «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى» (البقرة 178).
الملاحظ ان اغلب دول العالم ان لم نقل كلها يحتوي قانونها الجزائي على الإعدام كعقوبة مهما اختلفت مرجعياتها وديانات الشعوب فيها.
في تونس ينص القانون الجزائي على عقوبة الإعدام كجزاء لما يقارب عشرين جريمة (الاعتداء على أمن الدولة الداخلي والخارجي، الاعتداء بالعنف المصحوب باستعمال السلاح على قاض أثناء الجلسة، الخيانة المرتكبة من عسكريين، استيلاء على سفينة..الخ…) وكلها غير موجودة في الشريعة الإسلامية. فالقانون التونسي لم ياخذ منها غير القتل العمد كجريمة موجبة للإعدام.

طبق حكم الإعدام في الفترة البورقييية 129 مرة حيث أن بورقيبة غالبا ما لا يعترض على أي حكم صادر ويمضيه لينفذ. ومارس العفو في مرتين فقط أولاهما راعي أغنام تسبب في انقلاب قطار عن غير قصد بوضعه قضيبا حديديا على سكة قطار أما الثانية فهي العفو على متهمين في قضية انقلاب 1963 محكوم عليهما بالإعدام.
بعد انقلاب 1987 نفذ أول حكم بالإعدام في 1990/11/17 ليقع بعدها تنفيذ الإعدام على خمسة أشخاص ثلاثة منهم متهمون في أحداث باب سويقة واثنين آخرين في أكتوبر 1991. ومثل إعدام الناصر الدامرجي المتهم في القضية المعروفة سفاح نابل في 1991/11/17 آخر حكم إعدام ينفذ في تونس. منذ ذلك التاريخ علق تنفيذ العقوبة رغم مواصلة المحاكم القضاء به. يمتنع الرئيس عن الامضاء فيبقى المحكوم في السجن.
عاد الحديث عن عقوبة الإعدام مع لجنة الحقوق والحريات التي قدمت مقترحين. إلغاء العقوبة كمقترح أول أو جعلها محصورة في الجرائم التي نتج عنها الموت فقط مع تفعيل قاعدة التعليق المعمول بها حاليا.

التيار المساند لالغاء الاعدام :
اعلنت لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة سنة 1996 ان عقوبة الاعدام منافية للكرامة البشرية. بعدها بسنتين انطلقت حملة منظمة العفو الدولية في ذكرى خمسينية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لدعوة الدول الى الغاء عقوبة الاعدام او تعليق تتفيذها كخطوة أولى وهو ما وفقت فيه بنسبة كبيرة بالنظر الى عدد الدول التي علقت عقوبة الإعدام حتى الان.

المنادون بإلغاء الاعدام يبرورنه بالحق المقدس في الحياة التي يهبها الله للفرد وبالتالي لا يجوز لأي سلطة كانت وتحت اي ذريعة أو شريعة ان تضع لها حدا. كما ان الفلسفة من العقاب هي الزجر والإصلاح وبالتالي يجب أن يكون العمل على إنهاء الجريمة واعدامها من المجتمع، لا اعدام الجاني ووضع حد لحياته. المجرم يمكن أن يكون هو نفسه ضحية عدة عوامل اجتماعية أو تربوية ثقافية او مادية دفعته دفعا ليكون مجرما. لذلك لا يستحق الاعدام إنما الاحاطة النفسية هي ما يحتاجه لتقويم سلوكه ومعالجة عقده وتكون حالته موضوعا للدراسة يساعد في التصدي للجريمة وأسبابها.

في الرد على الفريق الحقوقي وأسانيده نقول. الحق في الحياة مقدس والله وحده المحيي والمميت. لذلك الله هو من اقر الاعدام لمن يقتل نفسا وما توقيع العقوبة إلا امتثالا لأمر الله صاحب الحق. المجرم الذي قتل غيره ألم يمارس فعلا الاهيا بوضعه حدا لحياة غيره ؟.
الحقوقيون هنا يفكرون في القاتل أكثر منه في المقتول وفي الجاني أكثر منه في الضحية. فهذا الاخير حرم حقه في الحياة بفعل إجرامي وليس بفعل الله. في خصوص الإصلاح الذي يكون الهدف منه خلق فرد متوازن يمكنه ان يفيد المجتمع. كيف لمتهم سيقضي بقية حياته في السجن ان يفيد المجتمع الذي لن يعيش فيه ولن يراه.
في ما يتعلق بالمجرم ليس دائما ضحية ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية. عديد الجرائم ترتكب بوعي تام وخدمة لتصور ومصلحة.

نفس هذه التيارات الحقوقية غربية كانت ام عربية يختلف تعاطيها مع الموضوع إن كان المعتدي مخالفا ايديولوجيا او ارهابيا اسلاميا كان أو يهوديا او مسيحيا او ملحدا. او كان الضحية حليفا او صديقا او أخا او رفيقا. يمكنها ان تغض الطرف وتتناسى كل ما هو حقوقي في لحظة من الزمن وتتنكر لما كانت تدافع عنه وتتبناه.

العالم قائم على ثنائية الموت والحياة. الأفراد والجماعات في قتال دائم من اجل الحياة والعرض والوطن. الحروب ومعارك التحرر الوطني تؤدي الى القتل والمنتصرون فيها يصبحون ابطالا ويكتبون التاريخ ويحملون على الأعناق ويشار لهم بالبنان (الدغباجي، عمر المختار، نابليون، غيفارا، تشرشل…). مع أنهم ازهقوا آلاف الأرواح التي بثها الله في الاجساد.
الاتهامات التي يوجهها الحقوقيون الى الدول الاسلامية والدين الاسلامي من ورائها لانه المعطل للاستجابة لمطالبهم يفقد كل صلابة إذا علمنا أن عقوبة الاعدام تطبق في الدول الغير الإسلامية بكثافة وخاصة منها الصين وامريكا.

الرافضون لإلغاء العقوبة :
يؤسسون رفضهم على ضرورة مكافحة كل سلوك يهدد العيش المشترك ويهدد الناس في حياتهم .ولضمان حد أدنى من الامن والسلم وحتى لا يسود قانون الغاب وياكل الضعيف القوي ونتجاوز الثأر. هناك من يرى في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الغير ملزم والصادر في 2007/12/20 القاضي بتعليق عقوبة الاعدام تمهيدا لالغائها تناقضا مع ميثاق الامم المتحدة الذي يضمن خصوصيات الدول ويحترمها. العولمة عندهم لا يمكن ان تطال التشريعات الجنائية ويزيد عليها المسلمون الأحوال الشخصية.
المطالبون بالابقاء على العقوبة من المسلمين يؤسسون ذلك على النص القرآني «يا ايها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى» البقرة 178 «ولكم في القصاص حياة يا اولي الالباب» البقرة 179. «وكتب عليهم فيها ان النفس بالنفس…» المائدة 45.
الرافضون لالغاء الاعدام يرون انفسهم ينتصرون لشرع الله في مواجهة حملات التغريب والعلمنة. ويرونه انتصارا للخصوصية الثقافية وتمسكا بالهوية.

في الرد على من يؤسسون رفضهم لالغاء الاعدام على القرآن نقول ان القرآن نفسه أعطى إمكانية تجاوز حكم الإعدام «…ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا…» الاسراء 33. وهو ما يعرف بالدية. أي أن يتحصل أهل القتيل على مبلغ من المال مقابل التنازل عن القصاص من القاتل. وهو ما يطرح التساؤل حول فلسفة العقاب في القرآن هل هي لمعاقبة فعل فيه خطر على المجتمع ككل أم حماية مصلحة خاصة.

فان كان القاتل ميسورا بمقدوره دفع الدية لأهل القتيل إن قبلوا بذلك. بينما القاتل الفقير لا يمكنه ذلك. ما يعني أن نفس الجريمة يمكن أن لا يلقى مقترفوها نفس العقاب لأن ذلك متروك لمشيئة اهل القتيل. فهل جريمة القتل لا تهم المجتمع وقيمه ؟ وهي شأن خاص يمكن لولي المتوفي المفاوضة بشأنه؟.
القرآن لم يتعرض إلا لعقوبة القتل العمد او الحرابة كجرائم موجبة للإعدام. بينما القوانين الوضعية شملت أكثر من ذلك بكثير فهل يجوز الغاء الاعدام في بقية الجرائم وحصره في القتل العمد فقط ؟ أي لا يطبق في جرائم الاغتصاب التي يكون ضحيتها قصر، أو في جرائم خيانة الدولة وغيرها من الجرائم البشعة التي تلقى استهجانا كبيرا في مجتمعاتنا. أكيد لا يرون في ذلك اشكالا لأنهم لم يحركوا ساكنا عندما تم تنقيح الفصل 227 م.ج في 2017 الذي أصبح ينص على 20 سنة كعقوبة لمرتكب الاغتصاب المقترن بعنف.
الرسول صلى الله عليه وسلم قال «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلّوا، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». وهو ما يترجمه القانون الوضعي الشك ينتفع به المتهم. من خلال هذا الحديث نتبين وجوبية التريث والتثبت قبل النطق بالحكم وإفلات مجرم من العقاب خير من معاقبة بريء. وتأسيس التشبث بتطبيق الاعدام على القرآن يفقده صلابته. لانه سيحمل النقاش إلى مربع الأيديولوجيا والهوية.

النقاش حول عقوبة الإعدام في بلادنا بين المناداة بالغائها والمطالبة بالمحافظة عليها أصبح نقاشا هوويا بين إسلاميبن وحقوقيين. لأن عقوبة الاعدام الآن معلقة في اغلب دول العالم. وهو ما يجعلنا نسأل المنادين بالالغاء هل تريدون الغاء العقوبة من النصوص القانونية خوفا من الرجوع إليها يوما؟ ثم ها نحن الآن نعيش في عالم لا يطبق فيه الاعدام الا في حالات نادرة فهل انتفت الجريمة ؟.

ونقول للمطالبين بتطبيقها خاصة هل هي معركة دينية شكلية تخوضونها ؟ فالإعدام معلق تتفيذه منذ ما يزيد عن عقدين في بلادنا فهل انتصر شرع الله أم هزم ؟ هل يرضيكم بقاء النص والإعدام كعقوبة تنطق بها المحاكم ولا تنفذ ؟ القرآن اقر العقوبة لما فيها من حكمة في محاربة الجريمة والحد منها ولا أن ينطق بها القاضي ولا تتفذ. لذلك إن كانت هناك مقاربة اخرى اليوم بامكانها تحقيق النتيجة نفسها لا باس ان تناقش.
متى نتخلص من مقاربة حقوقية مزيفة ومن قراءة دينية شكلية ويفتح النقاش أمام المختصين في علم الجريمة وعلم النفس والفلسفة والدين وعلم الاجتماع لنخرج بمقاربة تجيب عن سؤال أين مصلحة المجتمع ؟ في الإلغاء أم في الإبقاء ؟. واي مقاربة تحد من الجريمة ؟ وتكون أقرب للعدل ؟.

⁦✍️⁩توفيق رمضان.

شاهد أيضاً

الحكومة القادمة ؟

توفيق رمضان  أولا لنقطع مع مقولات مثل حكومة ثورية او حكومة الصف الثوري.. كذلك مقولات …

السياحة الحزبية هل هي ردة سياسية ؟

توفيق رمضان لجنة النظام الداخلي للبرلمان تصوت لصالح مقترح تعديل الفصل 45 من النظام الداخلي …