الجمعة , 18 سبتمبر 2020

“توحيدة” الدكتورة التي ربطت حبلي السريّ بتونس

أحلام مستغانمي

لم أصدّق وأنا أقرأ اسمها في تقرير مصوّر، يعلن أن الدولة التونسية اختارت أن تكون صورتها على عملة العشرة دنانير. أعدتُ قراءة الإسم، وعندما تأكدّت منه وجدتني أبكي.
بإمكاني أخيرًا أن أتعرّف على ملامحها.
هاهي ذي توحيدة بن الشيخ أخيرا !

يا له من اختيار موفّق، أن تكون الدكتورة توحيدة بن الشيخ رمزًا لتكريمٍ مزدوج للمرأة التونسية، و لـ”حُماة الحِمَى” العاملين في المجال الصحيّ في مواجهة الكورونا.
بيني وبين هذه المرأة حبلٌ سريّ، هي التي قطعته لتُخرجني إلى الحياة، هي من سمعت صرختي الأولى، هي من عايشت مخاضَ أمي، هي من طمأنت أبي. لم يكن بورقيبة رئيسا بعد، بل زعيما يقود تونس بأفكاره التقدّميّة، وكانت توحيدة بن الشيخ عائدة لتوّها من كليّة الطبّ في فرنسا، وكان أبي بمحاذاة نضاله الجزائريّ، بورقيبيّ الهوى، دستوريّ الإنتماء. كان يُصرّ أن أولد في المستشفى لا في البيت، على يد أول طبيبة تونسية، بل وربمّا أول طبيبة في المغرب الكبير كلّه، لكأنّه في انحيازه للعلم كما للمرأة، كان يريدني مذ مولدي من الأوائل.

تلك التي سترون بعد الآن صورتها على الأوراق النقديّة، لي قرابة بها. حفظت اسمها، بعدد المرات التي سمعت أمي تذكرها باسمها الصغير، حتى آخر سنوات حياتها. فقد كانت “توحيدة” إحدى مفاخر أمومة أمي وأنوثتها، وأجمل ذكرياتها، حتى خلتها صديقتها، فقد ولدتُ أنا وأختي صوفيا على يدها. وذلك الرضيع الذي ترونه على الورقة النقدية بجوارها في قماطه، لعلّه أنا. كنت أصغر من أن أشكرها، فلا أنا كنت أعرف من تكون، ولا هي كانت تدري ماذا سأغدو.

تلك المرأة التي كانت أيضا طبيبة أطفال، والتي كبرتُ على يدها، لم تكن سوى تونس، الأم الحاضنة لنا في منفانا، والتي أهدتني حواسي الخمسة، وأصغت إلى أولى كلماتي، ورأتني وأنا أخطو أولى خطواتي، وأطرب مذ طفولتي لصوت عُلية وعلي الرياحي، وأرضع حليب أمي وأنا أتشمّم رائحة الياسمين، الذي كانت تقطفه من حديقتنا الصغيرة، وتخبّؤه تحت الوسائد، لتعطّر سريرها.

أتوقّع أن تكون توحيدة على مدى طفولتي، قد قامت بوزني لتتأكدّ من نُمُوّي الطبيعيّ، ولم تدرِي بما سيحمله جسدي الصغير لاحقا من أحزان هذه الأمّة. فما كان الحزن بعد يثقلني. الأحزان حمولة عربية متأخرة، كبرت معي.

حال انتهائي من قراءة الخبر، أسرعت أبحث عن تاريخ رحيلها. أأكون أخلفت موعدي معها سنة 2010 يوم حضرت إلى تونس بعد أربعة عشرة سنة من الغياب ؟
كنت جئت على عجل بطلب من تلاميذ أبي القدامى الذين تقدّم بهم العمر، وكرجال زمانهم ظلّوا على نفس القدر من الوفاء لمعلّمهم. وعندما علموا من الأنترنيت بأني ابنة محمد الشريف مستغانمي، اتصلوا بي مستعجلين حضوري قبل الرحيل، عارضين تكريمه، بإطلاق اسمه على الصف الذي كان يدرّس فيه.

كان يعنيني أن أعرف، هل أثناء وجودي بتونس مشغولة بتكريم أبي، كانت توحيدة تقيم في المدينة نفسها، ولم أدري بذلك. ألم يكن من الأولى أن أكرّمها ولو بقبلة على جبينها، نيابة عن كل من ولدوا على يدها ولم ترَهم. وأن أردّ جميلها بما يسعدها، وهي على قيد الحياة ؟
أيعقل أن أكون أخلفت موعدي معها بفرق بضعة أشهر لا غير !

كنت سأضمّها طويلاً، وأسألها وهي أمي الأخرى، عن أمي، هل تعذّبت يوم أنجبتني ؟ وهل حقًا ولدتُ داخل كيس غشائيّ، وهو أمر نادر ويجلب الحظ كما تردّد أمي، لذا جاء الخير كلّه بمجيئي ؟ كنت سأسألها عن فرحة أبي الغامرة يوم ولدت.. عن أول كلمة قالها يوم علم بأنه رزق ببنت.. وهل أهداها كُتبا، كعادته عندما يلتقي بمن يشاركه أفكاره؟ ولمَ لم تقنعه بأنّ اسم “أحلام” أكبر من أن تحمله طفلة، فلا يحمّلني وزر أحلامه.

كنت سأقبّل يدها وأبكي. يدها السخيّة العزلاء، التي رفعت وطنًا دون أن تساومه على عِلمها، يدُها التي ما تعلّمت لكي تكسب، بل لتهِب، فكثيرا ما عالجت توحيدة الفقراء والمعوزين دون مقابل، ودون أن تمنّ بشيء على الوطن. هي فقط كجيلها لبّت نداء النشيد الوطني التونسي “هلمّوا هلمّوا لمجد الزمن”.
الدكتورة توحيدة بن الشيخ، أمّ الفقراء، وأمّ الشعراء، وأمّ تونس البهيّة الخضراء، ما كانت لتفوز بهذا المجد في عهد آخر غير هذا. عهد أعطى فيه الرئيس قيس سعيد عن نزاهة نادرة، إجازة لزوجته من القضاء، قبل حتى أن يفوز بالرئاسة، مُعلناً بأنّ كلّ امرأة في تونس هي “سيّدة تونس الأولى” وتكريماً لهن، أخرج إحداهن من زمن النكران، ونفض عنها غبار النسيان، ووضعها تحت الأضواء الأبديّة، لتغدو أول امرأة عربية تزيّن صورتها ورقة نقديّة !

تونس.. أيتها السبّاقة المذواقة، يا سيّدة الأصالة والثقافة.
كم نباهي بك !

(يُتبع…)

أحلام محمد الشريف مستغانمي