الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

شروط النصر على كورونا

أبو يعرب المرزوقي

الأنفال 60
“وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ”

كثيرا ما نسمع كلمة “الحرب” تتردد في أفواه القيادات السياسية والصحية في كل بلاد العالم منذ أن تفشت جائحة كورونا وبدأت تعم فتشمل كل المعمورة.
لكني أعتقد أن الأمر لم يتجاوز الكلام فيها جميعا بما في ذلك البلاد التي لها القدرة على التصدي لمثلها ولما هو أخطر منها.
ذلك أن الحرب إذا لم تعمل بالأنفال 60 لا يمكن أن يربحها من يخوضها لأن انتظار وقوعها لرد الفعل عليها دون العلاج بدارا أو الوقاية منها.
فلا يمكن من دونهما النصر على العدو حتى لو كان ضعيفا وفي ظرف لا يشمل الجميع فيمتنع انتظار العون من أحد الإنسانية الآن مع كوروينا.
وأبدأ بالقول إن الأنفال 60 بما أسست عليه الردع اعتبرت البدار والوقاية قد يغنيان عن الحرب وبينت أمرين هما ما يجعلني أقول إن كلامنا عن الحرب حاليا ليس جديا.
فما لم يسبق الاستعداد لها ولم يصحبها القيام بما تتطلبه لا يمكن انتظار وقوع الحل وقوعا عفويا وبطبعه دون استراتيجية تدارك بعد فقدان فرصة استراتيجية البدار.
فهي ميزت أولا بين القوة والقوة العسكرية التي رمزت إليها بذروتها في لحظة نزول القرآن أعني رباط الخيل. ثم حددت أصناف الأعداء الخمسة الممكنين:

  1. عدوكم عموما دون تحديد علة لها علاقة بالله.
  2. عدو الله عموما دون تحديد علة لها علاقة بكم.
  3. عدوكم في علاقة بعداوته لله.
  4. عدو الله في علاقة بعداوته لكم.
  5. وآخرون لا تعلمونهم الله يعلمهم.

ويمكن أن اعتبر الحرب الحالية لها علاقة بالنوع الخامس من الأعداء ولذلك فهي أشد الحروب وطأة.
فالمبدأ الأول أي القوة عامة لا تعمل معها. ومثلها القوة العسكرية بل هما قد تزيدانها قوة لأنها قد تؤدي إلى إيجاد أنواع العداوات الأربعة السابقة بين البشر.

كيف ذلك؟ فلو لا قدر الله طالت أزمة كورونا إلى الحد الذي يجعل الاقتصاد ينهار:

  1. فإن الاقوياء حاليا لن يتنظروا ذلك بل سيعيدوا البشرية إلى لحظتها البدائية.
  2. تصبح الحروب لعلل اقتصادية-وهي جارية دائما- أكثر عدوانية بمعنى أنها لن تكتفي بالتهديد والوعيد بل ستمر إلى الغزو لافتكاك ثروات الضعفاء وتعوض ما خسرته بسبب الجائحة.
  3. وقد بدأ الأمر حاليا حول الأدوية والاجهزة الضرورية لحماية الشعوب القوية من المرض.
  4. لكنها ستنتقل إلى حماية اقتصادها بدأ بحروب الغذاء بعد حروب الدواء ثم إلى حروب الماء والهواء إلخ..
  5. ولهذه العلة فإني اعتبر ما تتخذه تونس وكل البلاد التي تتكلم على الحرب ضد كورونا قد نسيت أن الحرب ضدها لم تعد ضد الفيروس وحده بل هي ينبغي أن تتوقع الأعداء الخمسة أي:
    1. الحروب الاقتصادية الخالصة والدامية أي الفعلية وليس مجرد التنافس(من أجل الطاقة مثلا).
    2. والحروب الثقافية الخالصة والدامية أي الفعلية وليس مجرد الكراهية اللطيفة (الاسلاموفوبيا مثلا من أجل الهويات المهددة وطرد المهاجرين مثلا).
    3. والحروب تخلط بين الديني والاقتصادي مثل الحروب الصليبية السابقة.
    4. والحروب تخلط بين الديني والثقافي مثل تبرير الاستعمار بترقية الانديجان.
    5. وكل ذلك بسبب مآل الأعداء الذين لا نعلمهم الذين ينكصون بالإنسانية إلى مراحل ما مر به تاريخها الماضي من البدائي إلى الحالي.

والسؤال هو كيف نستعد للحرب مع عدو لا نعلمه ولا يعلمه إلا الله ؟ لو كان ذلك غير ممكن لما ذكره القرآن ضمن ما ينبغي أن نستعد له بدارا ووقاية.
وإذن فإنه ينبغي أن يعتبر الحالة القصوى في الاستعداد بافتراض ذلك وكأنه جزء من الأعداء الاربعة الأول.
فيكون القصد تحرير الإنسان من توهم قوته بلغت الغاية فيبقى حذرا ولا يتوهم أنه صار إليها قادرا على كل الاعداء.
وحينها فإن الاستعداد لا يتعارض مع التوكل. فنتحرر من التواكل بتحقيق كل ما نستطيع مع التوكل وعدم توهم كمال الاستعداد.
فمن لا نعلمهم من الأعداء هم كل ما يترتب على نسيان هذه الغاية القصوى التي إذا أخذناها بعين الاعتبار نكون اكثر تواضعا فلا نتوهم القوة المطلقة.
ذلك أنه لا امريكا ولا الصين ولا ألمانيا ولا اليابان ناهيك عمن هم دونهم قدرة علمية وتقنية واقتصادية لهم القدرة على الاكتفاء بما لديهم من قوة.

ومع ذلك فالقوة التي تمكن من الصمود متوفرة: إنها العمل بالمعادلة العادلة مع التوكل على الله فيكون الحل هو في ما قدمه الإسلام من:

  1. ثقافة التعارف في الجماعة وبين الجماعات (الحجرات 13) : معرفة ومعروفا.
  2. اقتصاد التضامن في الجماعة وبين الجماعات: تقاسم شروط الحياة بالعدل.
  3. شرط أولا هو التواصل والتحرر من ربا الأقوال في التربية.
  4. شرط ثانيا هو التبادل والتحرر من ربا الأموال في الحكم.
  5. التسليم بحقيقة الآية الأولى من النساء: البشر كلهم اخوة لأنهم من نفس واحدة.

وإذن فالحل هو بالذات سياسة الإسلام تربية وحكما. ولأبدأ 2 و4: فلو اعتبرنا كل من يسيطر على اقتصاد البلاد أي موارد رزق شرط الحياة العضوية حاليا في تونس (سواء كان موظف أو صاحب أعمال أو مهنة حرة أو عامل) مستعدين بقوة الإيمان طوعا أو مفروض عليهم بقوة القانون كرها أن يعتبروا رزقهم المادي

يمكن أن يقسم على الجميع بالعدل فإنه سيكون كافيا لحل المشكل الاقتصادي الذي هو شرط لاتضامن للصمود وفقدانه شرط الهزيمة: وهذا هو منطق الحرب وكان ينبغي أن يكون المنطق الدائم للعيش المشترك لو كانا صادقين.

ولأثن ب1 و3 : فلو اعتبرنا كل من يسيطر على ثقافة البلاد شرط الحياة الروحية حاليا في تونس (سواء كان مربيا أو إعلاميا أو مفكرا دينيا أو فلسفيا) مستعدين بقوة الإيمان طوعا أو مفروض عليهم بقوة القانون كرها أن يعتروا رزقهم الروحي
يمكن أن يتوجه للجميع بالصدق فإنه سيكون كافيا لحل المشكل الثقافي الذي هو شرط التعارف للصمود وفقدانه شرط الهزيمة: وهو منطق الحرب وكان ينبغي أن يكون المنطق الدائم للعيش المشترك.
ذلك هو الإسلام. وذلك هو معنى الأنفال 60. وقد يكون العدو الذي لا يعلمه إلا الله هو الذي يذكرنا به في حين أن الرسالة كلها تذكير به وهو معنى كون الأمة كالجسد الواحد إذا ألم أحد أعضائه تداعت له سائر الأعضاء بالحمى.
ويمكن ختاما أن نفترض الزكاة أحد تطبيقاته. لكن يمكن أن نذهب إلى مبدأ الخمس من كل مورد رزق ينفق على من ليس لهم مورد.
ويمكن أن نفترض أن ذلك لا يفرض إلا في ما يتجاوز النصاب الذي هو معدل نصيب الفرد من الدخل القومي الخام: لا يفرض الخمس إلا على من يتجاوز دخله هذا المعدل حصرا في ما يتجاوز به المعدل.
فإذا ما لم يتحقق ذلك فنحن نكذب عندما نتكلم على الحرب. نكذب في 1 و3 أعني أهن ثقافتنا ما تزال ثقافة الأنانية الحالية بدليل عدم تطبيق 2 و4 أي إن اقتصادنا ما يزال اقتصادنا الحالي.
وإذن فنحن لم نفهم رسالة 5 أي رسالة الأعداء الذين لا نعملهم ويعلمهم الله: ما زلنا طغاة مستبدين وفاسدين نمثل على الشعب بأخلاق ربا الأقوال للحفاظ على ربا الأموال. لذلك قلت إن المستقبل للإسلام لأنه الحل الوحيد.

شاهد أيضاً

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

التشكل الحزبي، هل له قوانين ؟ أم هو سائب ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما الذي يجعل تونس بعد الثورة تنتقل من الحزب الواحد إلى ما يتجاوز المائتين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.