صالح التيزاوي
وسط العتمة التي فرضتها جائحة الكورونا على العالم، وبينما انشغل أقوياء العالم وضعفاؤه على حدّ سواء بالعدّ، ولا شيء غير عدّ المصابين بفيروس الوباء وموتاه وعدّ الخسائر المادّيّة، تتطلّع البشريّة وهي تصارع الموت الذي يلفّ كوكب الأرض من كلّ جانب، إلى المخابر العلميّة والبحثيّة في العالم، لعلّ الدّخان الأبيض ينبعث من محاريبها، معلنا عن التّوصّل إلى لقاح أو عقّار، يوقف زحف الوباء. ومن مخابر البحث العلمي في تونس تأتي بقعة الضّوء من نساء بلادي، حيث توصّلت الدّكتورة ألهام بوطيبة مع فريق بحثي بمستشفى شارل نيكول إلى، إماطة اللّثام عن التّسلسل الجيني لفيروس الكورونا، وهو ما سيتيح مقارنته بفيروس الكورونا في بلدان أخرى…

الدّكتورة “نصاف عليّة” المديرة العامّة للمرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدّة بوزارة الصّحّة، شكّلت بقعة ضوء ثانية في عتمة الكورونا، قامة أخرى من قامات الطّب في تونس، وامتداد لنسل توحيد بالشّيخ أوّل طبيبة عربيّة مسلمة (أصيلة مدينة راس الجبل).. الدّكتورة نصاف بن عليّة شدّت الأنظار بنشاط دؤوب لا يعرف الكل والملل، تراوح بين العمل بالمرصد مع فريقها البحثي، طيلة أربع وعشرين ساعة، لا تقطعها إلّا لتظهر في نقاط إعلاميّة أو مداخلات مباشرة في نشرات الأخبار، تعرض آخر مستجدّات الوباء وتوجّه النّداء تلو النّداء للتّحذير من السّيناريو الإيطالي في تونس بأسلوب اتّصالي مميّز، حيث استعملت لهجة عامّيّة تونسيّة، سهلة، سلسة، تدخل العقول والقلوب بيسر وبلا عناء، يفهمها كلّ النّاس، جمعت بين الصّرامة والحكمة، مفعمة بعبارات المحبّة والإخلاص لمهنتها ولشعبها: “ماعادش تخرجو من دياركم”. “بكلنا معرضين للخطر”، “بكلنا مش يكون عندنا من عايلاتنا ومن أقاربنا ناس باش نخسروهم”… وتبلغ الصرامة منتهاها عندما تقول: “إذا ما نلتزموش بالحجر ستكون العواقب وخيمة”..
ورغم إشاعة تعرّضها للحجر الصّحّي ورغم حالة الإعياء والإرهاق الباديين على وجهها، لم تدّخر جهدا لتقود مع نظرائها من “الجيش الأبيض” حربا على الوباء، ومازالت تعمل دون كلل وملل..
نقطة ضوء ثالثة، تأتي من الإعلاميّة عواطف الصّغروني، التي أمّنت باقتدار ملفّا تلفزيّا يوميّا على القناة الأولى، استدعت لتأثيثه نخبة من أهل الإختصاص للتوعية بطرق التّوقّي من الوباء والتّحذير من مخاطره والمتابعة اليوميّة لتفشّي الوباء بطريقة علميّة وموضوعيّة، نأت عن التّهويل والتّهوين.. نعم.. نقولها بملئ الفم: نساء بلادي نساء ونصف، قدّمن علما وعملا وإعلاما يليق بهنّ وبتونس ويستجيب للمرحلة… عسى أن يكون ذلك منعطفا نحو بحث علميّ يحظى برعاية الدّولة أكثر وأكثر ونحو إعلام، يتّخذ من النّزاهة والموضوعيّة زادا لنا وذخرا لأجيال المستقبل..
حقّا.. على هذه الأرض ثمّة ما يستحقّ الحياة..
اكتشاف المزيد من تدوينات
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.