الثلاثاء , 22 سبتمبر 2020

دردشات كورونا 04

محمد الصّالح السّعدي

اللّهمّ لا تفتنّا بعدهم
فاجأني قدوم موكب جنازة وأنا جالس مع ابنة أخي الشّريف في الحديقة المحاذية لمقبرة بنعنين، وحدّت الله ودعوت للميت ولوالدي بالرّحمة، حاولت أن أتعرّف على أحد من متتبعي الجنازة لأتعرّف على المحمول أو المحمولة إلى القبر فلم أفلح. واصلت الحديث مع جليستي في أمور الدّنيا، نلعن كورونا ونتذاكر سبل التّوقّي منها والصّبر على أيّام الحجز الذّاتي الشّامل المفروض من طرف السّلط العليا، ثمّ تواعدنا على لقاء آخر وافترقنا.

توجّهت هي إلى بيتها الواقع شرق المقبرة واتّجهت أنا إلى منزلي في الاتجاه المعاكس. وبعد خطوات حدّثتني نفسي بحضور موكب الدّفن، فعدت أدراجي إلى المقبرة. وجدت النّاس في مدخلها يقيمون صلاة الجنازة. لم أشارك فيها بل وقفت خلفهم حيث يجلس زميلي السّابق سي العيساوي. سألته عن الميّت فقال لي: “إنّهما اثنان”. هزّني الخبر وطارت بي الهواجس، واعتقدت أنّ هذا من فعل اللّعينة، واستحضرت مواكب الدّفن الجماعي الّتي كانت تتكاثر أثناء الأوبئة أو أثناء الحروب فاشتّد بي الهلع من العاقبة الوخيمة الّتي تنتظرنا في الأيام القادمة، وحدّثتني النّفس بالاستعداد للرّحيل.

لم أجد سوى الدّعاء للّه بأن يرحمنا ويسدل علينا ستره ويشملنا بلطفه ورحمته ويحسن خاتمتي. انقطع انشغالي بالجنازة وبمن يقيمونها وبمن تصلّى لهم. تمالكت نفسي وفكّرت في الالتحاق بهم لأشاركهم أجر الصّلاة لكنّ فات الأوان. فقد أطلق الإمام السّلام الأخير مؤذنا بانتهائها وشرع في الدّعاء الّذي يليها والجمع يردّدون من ورائه. لم أكن أسمع كثيرا ممّا يقال فاكتفيت بالدّعاء للميّت بالدّعاء المأثور الّذي حفظته أيّام الشّباب متوقّفا مرارا عند المقطع القائل: ” الّلهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم” إلى أن شرع الجمع في تلاوة الفاتحة والصّلاة على النّبي، فشاركتهم القراءة طمعا في نيل كامل الأجر.

لم أذهب مع النّاس للمشاركة في عمليّة الدّفن كما تعوّدت، ولكنّي قفلت راجعا من حيث أتيت يشجّعني في ذلك آخرون فعلوا مثلي ومنهم سي العيساوي. اغتنمت الفرصة للتّعرّف على المتوفيّين فحاول مساعدتي لكنّي لم أتوفّق إلى معرفة الشّيء الكثير سوى أنّ أحدهما من شرق المدينة والآخر من غربها شاءت لهما الأقدار أن يدفنا في نفس المقبرة وأن تقام لهما صلاة واحدة. والأهمّ عندي أنّهما لم يتوفيّا بكورونا وأنّهما حضيا بجنازة عاديّة. فقد شارك في جنازتهما جمع محترم من أهاليهم وأصدقائهم ومعارفهم وزملائهم ومن آخرين ساقتهم الصّدف لها لينالهم -بحول الله- شيء من الأجر. هذا عندي غنم كثير. فقد لا يجد الباقون -في زمن الكورونا- من لا يصلّي عليهم ويدفنهم، وهذه عندي فتنة لا ينجينا منها سوى ربّ العباد. فاللهمّ لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنّا بعدهم.

وأنا غارق في هواجسي وتخوّفاتي دعاني سي العيساوي للرّكوب في سيّارته ليقرّبني من منزلي فشكرته واعتذرت له عن هذه الدّعوة لأنّي أفضّل أن أتمشّى قليلا قبل أن أحبس نفسي في الدّار بقيّة اليوم. ثمّ أضفت مازحا “أنا لا أركب في سيارة بو100” (في إشارة إلى رقم السّلسلة المسجّل على اللوحة المنجميّة لسّيارته)، فضحك لهذه الدّعابة ثم افترقنا على أمل أن نجتمع في ساعة أسعد.

شاهد أيضاً

لا يا سيادة الرّئيس، بل هو احتلال وليس حماية

محمد الصّالح السّعدي  نعم، إنّ الوجود الفرنسي في تونس ما بين 1881 و1956 هو احتلال …

دردشات كورونا 7

محمد الصّالح السّعدي ها قد جاء الرّبيع… يا كورونا اليوم ضاقت نفسي وسئمت الحجر الصّحي …