الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

الكورونا إدارة الأزمات العالم الجديد أين نحن ؟!

خبيب بنعيسى

1. تاريخنا كبشر مرتبط بالأوبئة ارتباطًا وثيقًا. فهي محرك أساسيًا من محركات التاريخ ولها علاقة مهمة بالتغيير في أعداد السكان والعمران. بل كان للأوبئة الشهيرة، مثل الأنفلونزا الإسبانية في القرن الثامن عشر، تأثيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية واسعة وممتدة.
الأنفلونزا الاسبانية الذي قضى على أكثر من 60 مليون من سكان العالم وأصاب أكثر من 500 مليون شخص،
وتعتبر نفس الإجراءات التي تطبقها الحكومات من الحجر الصحي وعزل المدن، وتطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي، والمطالبة بغسل اليدين باستمرار للحد من تفشي فيروس كورونا، هي نفس الإجراءات التي طبقتها الدول قبل 100 عاما عند التعامل مع وباء الإنفلونزا الإسبانية، الذي يعتبر أسوأ وباء في العصر الحديث.

ولكن أكثر ما شدّ انتباهي!، مشكلة انخفاض عدد المستشفيات والأطباء والممرضين في 1918، أحد أكبر المشكلات التي واجهت الحكومات في تعاملها مع وباء الإنفلونزا.
كما هو الحال في 2020، مع تفشي فيروس كورونا، يٌعتبر نقص الإمدادات الطبية من كمامات وأجهزة التنفس الصناعي، بالإضافة إلى العجز في عدد الأسرة في المستشفيات أكبر المشكلات، لذلك يجٌري بعد الأطباء كما هو الحال في إيطاليا عملية فرز للمرضى الذين سيتم مساعدتهم وعلاجهم وترك الباقي يواجهون مصيرهم.
• فعندما لا يكون لديك لقاح، ولا يكون لديك علاج، لا يكون أمامك سوى هذه الإجراءات.

أي بعد أكثر من مئة عام تأتي هذه الجائحة لتخبر العالم أنه بعد تطور العلم واللقاحات، لم تطور المنظومة الصحية العالمية نفسها من حيث العدة والعتاد، بل بقيت الدول تطور الأسلحة والخطط العسكرية والمنظومات الصناعية على حساب القطاع الصحي.


2. أراقب تعامل العالم مع الأزمة (الكورونا) و”عيني على تونس”.
الأزمات تختبر قدرة المسؤولين على اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت الصحيح، والعمل تحت الضغط. هي تختبر أيضًا كفاءة السيستام في التعامل مع ظروف طارئة وضاغطة بكفاءة وفاعلية ومن دون إثارة حالة من الهستيريا أو الذعر العام. النظم المغلقة والمركزية لديها ميزة مهمة تتمثل في سهولة اتخاذ القرارات الحاسمة والسريعة وقت الأزمة مثل فرض الحجر الصحي على الملايين.
على أنها تواجه تحديًا من نوعٍ آخر يتمثل في طاقة الصبر والمقاومة، والشفافية والمصارحة وإتاحة المعلومات الصحيحة.
الإدارة الحكومية في تونس لديها مزيج من عناصر القوة والضعف في مواجهة الأزمات الطارئة، مع غلبة عناصر الضعف للأسف “علينا أن نُصارح أنفسنا بأوجه الضعف”. علينا تهيئة البلد لأزماتٍ من هذا النوع باختبار جاهزيتنا. الانتشار الوبائي للكورونا فُرصة لاختبار هذه الجاهزية افتراضيًا في القطاع الصحي وغيره من القطاعات التي تتعامل مع الأزمات.
هي فرصةٌ كذلك لمراجعة الخطط الموجودة بالفعل وتحديثها، والتأكد من أن الشبكات تعمل بشكل صحيح وقت الأزمة. يتعين كذلك الوقوف على مستوى التناغم والتنسيق بين قطاعات الدولة المختلفة.
الأوبئة، مثل الحروب، شرٌ مستطير ينزل بالمجتمعات، فيختبر صلابتها وقدرتها على الاستجابة للتحدي ومستوى الثقة والتعاضد بين أبنائها.

• الإجراءات الحكومية تلعب الدور الحاسم في مواجهة الوباء وتسييس الوباء “كورونا” وإستغلاله في ترجيح/تسجيل مواقف سياسية، هو مركب من الجهل وقلة الضمير.


3. الوباء فرصة لإصلاح حقيقي وهنا أطرح بعض الأسئلة التي وجب أن نجيب عليها قبل الذهاب إلى عالم ما بعد الكورونا!.

  1. هل نحن مستعدين للحياة الجديدة الحالية لشهور قد تتجاوز الستة قبل بدء العودة تدريجيا إلى الحياة الطبيعية!؟ هل عندنا القدرة على مقارعة الأزمة ومجابهة الوضع الإجتماعي في تونس لو تضاعفت مدة الحجر!؟
  2. هل نحن متأكدون من أن العودة إلى الحياة العادية هي ما نريد أن نذهب إليه!؟
  3. هل نودّ فعلا العودة إلى حياتنا العادية السابقة!؟
  4. كيف نحول هذه الأزمة، التي لا يعرف أحد متى ولا كيف سوف تنتهي، إلى فرصة لإصلاح حقيقي!؟
  5. هل سنستخدم هذا الاضطراب لطرح أسئلة عن أعرافنا في التعامل مع الضرائب والدراسة في المدارس، والجامعات، والكثير من مناحي الحياة الحديثة الأخرى!؟

من المؤكد أن هذا بدقة هو الوقت الملائم للسؤال عما إذا كان القادم يجب أن يكون هو عودة الأمور إلى ما كانت عليه!. فكل شيء يتغير أو يجري تغييره، لذا فإن هؤلاء الذين ينعمون بصحة جيدة والوقت أمامهم يجب أن ينتهزوا اللحظة لاستخدام قدراتهم الكاملة على التخيل والتفكير في كل قطاع، كل مجال من مجالات الحياة، كل جناح من أجنحة السياسة والفلسفة والاقتصاد! ليكون لديه أفكار مختلفة حول العودة إلى حياة طبيعية جديدة.


4. دعونا ننتهز هذه الفرصة للتفكير في أشياء كبيرة بدلا من التعهد بالعودة مباشرة إلى الحياة بما كانت عليه دون التفكير.
فكل جائحة أصابت العالم “وباء/حرب” كانت إيذانًا ببداية عصر عولمة جديد. تناقص السكان بسبب “الأوبئة/الحروب” أدى إلى”

  • تغيير في علاقات العمل وتقويض النظام الإقطاعي برمته مثل التطعيمات الإجبارية التي تم تشريعها للمرة الأولى في بريطانيا في 1851.
  • تغيير استراتيجية الصّحة العالمية وإنشاء وزارات للصحّة أو إعادة هيكلة الموجود سنة 1920.
  • ثورات 1917–1923 في العديد من الدول كنتيجة للحرب العالمية الأولى.
  • تراجع القوى العظمى القديمة وصعود قوتين جديدتين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية، بعد الحرب العالمية الثانية.
  • صعود النفوذ الشيوعي في جنوب شرق آسيا، مع جمهورية الصين الشعبية سنة 1449.

• كيف سيكون عالم ما بعد كورونا وأين سيكون موقع تونس “البلد الفقير اقتصاديا الذاخر بالأدمغة” بعد هذا التغيّر الحاصل لمحالة…


حفظَ الله بلادنا وشعبنا من كل سوء.
فالله خيرٌ حافظا وهو أرحم الراحمين.

شاهد أيضاً

أحزاب الزعامات

خبيب بنعيسى  يجب أن لا يأخذنا القول بضرورة مراعات الديمقراطية لثوابتنا العربية والإسلامية، إلى أن …

مراحل تصرّف المناعة مع فيروس كورونا

حاتم الغزال  على ما يقارب 40 مليون حالة إصابة مؤكدة بالكورونا حول العالم هناك حالتان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.